مرات ابني الوسطاني
نزل ابن الوسطاني من عمله متأخراً في ذلك اليوم، ليجد البيت هادئاً على غير العادة. كانت شقته مظلمة، بابها مفتوح جزئياً، وصوت الريح يعزف داخل الغرف الخاوية. صعد إليّ يسأل عن زوجته وأولاده، وبدلاً من أن أقول له الحقيقة، بدأت بأكاذيبي المعتادة لتقليب قلبه عليها: “زوجتك أخذت أولادك وغادرت البيت دون إذني، كبرت رأسها وأهانتني وأهانت إخوتك ولعنت الساعة التي دخلت فيها بيتنا، وقالت إنها لن تعود إلا بشروط!”.كنت أتوقع أن يغضب ويذهب لضربها أو إحضارها بالقوة كما كان يفعل في كل مرة نختلف فيها، لكنه هذه المرة لم يقل كلمة واحدة. جلس على الكرسي قبالتي، ينظر إليّ بنظرات غريبة لم أعهدها فيه من قبل، نظرات خالية من التعبير، ملأى بشكوك قديمة بدأت تترتب في عقله الأحجية. قم من مكانه وهبط إلى شقته، ليدخل غرفة أطفاله ويرى ألعابهم الملقاة على الأرض وملابسهم المتبقية، ثم توجه إلى شقة أخيه الأكبر.
هناك، تصادف وجود ابن أخيه الكبير – العيل الذي أهان ابنه في الصباح – وكان يتحدث بتبجح أمام أمه: “أنا لم أقل له شيئاً خاطئاً يا أمي، أليست أمه هي من تغسل لنا السجاد وتنظف أرضيتنا كل أسبوع؟ جدتي هي من قالت لنا ذلك!”. سقطت الكلمات كالصاعقة على أذن ابني الوسطاني. وقف عند الباب ووجهه يتغير لونه من الأصفر إلى الأحمر الداكن، وتجمعت في عينيه دموع قهر الرجال. استدعى ابن أخيه وسأله بصوت يرتجف من الهول: “ماذا قلت لولدك الصباح يا بني؟ أعد ما قلته!”.
خاڤت زوجة الأخ الأكبر وحاولت التغطية على الأمر بسرعة: “لا شيء يا أبا فلان، أطفال يلعبون مع بعضهم وتعاركوا على لعبة، لا تصدق كلام الأطفال وتكبر الموضوع!”. لكن الولد الصغير، بتلقائية طفولته وبسبب ما زرعناه فيه من غرور، قال باستعلاء: “قلت له أن أمه خدامة عندنا، وأن جدتي قالت إنها قادمة من بيت أصلهم ضعيف ولولا أن جدتي عطفت عليها لما وجدت طعاماً تأكله!”.
في تلك اللحظة، انكسر شيء ما داخل ابني الوسطاني، شيء لن يصلحه دهر كامل. تذكر كل يوم كانت تنزل فيه زوجته من شقتها في الساعة السادسة صباحاً لتطبخ وتنظف وتغسل، تذكر كيف كانت تخدم زوجة أخيه الصغير وهي نفاس، وكيف سهرت في المستشفى مع زوجة الأخ الكبير وهي تجري جراحة الزائدة، تذكر كيف كان يراها تعود ليلًا إلى شقتها وهي لا تستطيع بسط ظهرها من شدة التعب، وكان يظن – بررنا له نحن ذلك – أن هذا من طيب أصلها وحبها لأهله، ولم يكن يعلم أننا كنا نكسر نفسها ونستغل ضعفها ونستعبدها.
خرج ابني من شقة أخيه كالمدحور، صعد إليّ والدىىموع تسيل على خديه بغزارة، وقال بصوت حشرجته الغصة: “أمي.. هل صحيح ما قاله ابن أخي؟ هل صحيح أنكِ من صوّرتِ زوجتي للأطفال وللجميع على أنها خادمة؟ هل صحيح أنكِ كنتِ تتحدثين عنها للغريب والقريب كأنها نكرة؟”.
حاولت أن أدافع عن نفسي، صړخت فيه: “هل تبيع أمك من أجل امرأة لا أصل لها؟ هل صدقت كلام عيل صغير وجئت تحاسبني؟ أنا أردت فقط أن أعلمها الأدب حتى لا تتكبر عليك وعلى إخوتك!”.