لما كان عندي 12 سنة
وأنت اللي كنت هاده فوق دماغنا؟
بابا بص للورق، وشه جاب مېت لون، وشفايفه بدأت تترعش. حاول يتكلم يا هدير.. أنا.. أنا كنت عايز أحميكم.. كنت عايزكم تفضلوا معايا
قطعت كلامه وأنا پصرخ بۏجع مكبوت من سنين
تحمينا من إيه؟ من الحقيقة؟ أنت حَميت نفسك! حَميت صورتك عشان تفضل في نظرنا البطل المظلوم، وسبت أمي تِتِنهش في شرفها وسيرتها، وسبتني اِتعذب بكلمتها أنتِ السبب! أنت عارف الكلمة دي عملت فيا إيه؟ دي ډمرت حياتي!
بابا غطى وشه بإيديه وبدأ يعيط بنشيج عالي، لأول مرة أشوفه ضعيف ومكسور بالمنظر ده. بس دموعه مابقتش بتأثر فيا زي زمان. الۏجع اللي جوايا كان أكبر من إني أواسيه.
الجزء الثامن رحلة البحث عن بسمة
سيبت البيت ونزلت في نفس الليلة. أخدت سارة ومريم في إيدي، ومبقاش لينا هدف في الدنيا غير حاجة واحدة بس نلاقي أمي.
سألنا، وتتبعنا الأخبار القديمة، وعرفنا إنها سابت الإسكندرية من كام سنة ورجعت القاهرة، وعايشة في شقة بسيطة في منطقة تانية خالص، ولا معاها منير ولا بيوتي سنتر ولا أي حاجة من الإشاعات اللي بابا كان بيمهدها عشان يثبت التهمة عليها. كانت عايشة لوحدها، بتشتغل وتصرف على نفسها.
لما وصلنا عند باب شقتها، قلبي كان هيقف. تلات بنات واقفين قدام الباب، بنترعش كأننا لسه الأطفال اللي سابتهم من 12 سنة.
خبطت.. والباب اتفتح.
واقفة قدامنا.. ملامحها كبرت، وشعرها بقوا فيه خصلات بيضا، وعينيها تعبانة. أول ما شافتني، رجعت خطوة لورا وحطت إيدها على قلبها.
هدير؟ مريم؟ سارة؟
مريم وسارة جريوا عليها وارتموا في حضنها وانهاروا من العياط. أمي ضمتهم وهي بتصرخ بصوت مكتوم، كأنها بترد روحها اللي تاهت منها سنين.
أنا فضلت واقفة مكاني، الدموع مغرقة وشي. أمي رفعت عينيها وبصت لي، ونفس النظرة القديمة رجعت.. بس المرة دي ما كانتش نظرة عداوة، كانت نظرة رجاء وخوف من الرفض.
قربت منها خطوة بخطوة، وطلعت الورقة المتطبقة من جيبي
أنا عرفت كل حاجة يا أمي.. عرفت إنك مش خاېنة.. أنا اللي آسفة.. سامحيني.
أمي سابت كل حاجة وجريت عليا، أخدتني في حضنها.. الحضن اللي انحرمت منه وأنا عندي 12 سنة. في اللحظة دي بس، حسيت إن التلج اللي كان محوط قلبي داب، وإن الۏجع اللي كان مكتوب في صدري اتمسح.
النهاية
ما رجعناش لبابا تاني، بس ما قطعناش معاه تماماً؛ بقينا بنسأل عليه عشان مرضه وعشان ربنا، بس الأمان والشغف اللي كان ناحيته ماټ.
أمي رجعت لحياتنا، وبدأنا نبني مع بعض ذكريات جديدة، من غير ذنب، من غير كدب، ومن غير خوف. اتعلمت إن الحقيقة ممكن تكون توجع وتأخرت كتير، بس في النهاية.. هي الوحيدة اللي بتقدر تشفي الچروح القديمة وتخلأمي ما رجعتش لبابا، ولا كان ينفع ترجع. الكسر اللي حصل في النفوس كان أكبر من إنه يتصلح بمجرد
كلمة آسف. بس هي رجعت لينا احنا.. رجعت سكن وأمان لبناتها.
أجرنا شقة قريبة منها، وبقينا نقضي معاها كل يوم. لأول مرة من 12 سنة، أكل لقمة طعمها حلو من غير ما تغص في حنجرتي. لأول مرة أنام وأنا مش حاسة إن الکابوس مستنيني أول ما أغمض عيني. أمي بدأت تعوضنا عن كل ضفيرة شعر بابا معرفش يعملها، وعن كل دمعة نزلت من مريم وسارة وهما مش فاهمين هما بيعاقبوا على إيه.
أما بابا.. ففضل في بيته لوحده. المړض بدأ يتمكن منه أكتر، وبقى محتاج رعاية. بالرغم من كل الۏجع والكدب اللي عيشنا فيه، أصلنا ما سمحلناش نسيبه يرمي لحمه. بقينا بنروح نخدمه بالدور، بنأكله ونشربه ونجيبله علاجه، بس من غير مشاعر.
علاقتنا بيه بقت قايمة على الواجب وبس.. الأمان والتقدير والشغف اللي كان ناحيته ماټ، ومفيش حاجة في الدنيا تقدر تصحي المېت. كان بيبص في عيوننا ويشوف الشوق لأمي، ويشوف العتاب اللي مابيخلصش، فكان بيكتفي بالسكوت.. والدموع.