جلاب الهوي
١القربان
وقفت العربة رباعية الدفع السوداء امام البناية المقصودة ليطل منها هو ناظرا لها بتردد و أخيرا تنهد و اسند جبينه على عصاه في قلة حيلة يتساءل هل ما سيقدم عليه الان صحيح .. ام لا ..!.. دوما ما كان يحكم الشرع و الأصول و الأعراف في كل ما يقوم به من أفعال .. لكن ما يهم بفعله الان لا يجد له تصنيفا في ايهم .. لكنه رغم عن ذلك هو مضطر لفعله ..
همس سائقه و كاتم أسراره مناع بصوت هادئ و هو مدرك تماما لتلك العاصفة العاتية التي تجتاح نفس سيده وولى نعمته مش هتنزل يا عفيف بيه ..!.. العمارة بتاعت الباشمهندس اهى ..
رفع عفيف جبينه من فوق كفيه المتشابكتين فوق الرأس المعقوف لعصاه هامسا بما يعتمل بصدره لمناع و الله ما اني عارف يا مناع اللى هنعمله ده صح .. و لا عملة شينة هنتعيروا عليها العمر كله ..!
همس مناع بدوره يا عفيف بيه .. ما اللي حصل برضك مش هين .. و انت باللي بتعمله بتمنع المصېبة الكبيرة واللى بچد ممكن نتعيروا بسببها العمر بطوله و تطول عيال عيالنا كمان يا بيه ..
هز عفيف رأسه متفهما و مدركا لصدق حديث مناع و حقيقة ما همس به ..
تنهد من جديد و قد استقر به الامر ليندفع خارج السيارة و خلفه مناع لداخل البناية و التى جاءا خصيصا اليها ليمنعوا ما لا يمكن منعه او الوقوف امام طوفانه ..
وقفت في حيرة امام خزانة ملابسها لا تعرف ما عليها انتقائه لتضعه في تلك الحقيبة المشرعة أمامها على طول الفراش
كل ما يدور برأسها الان هو انها لن تستطيع وداع اخيها الوحيد قبل سفرها المحدد له بعد الغد صباحا .. فها هي تجد نفسها مضطرة للسفر بديلا عن احدى زميلاتها الطبيبات لذاك المؤتمر بالخارج نظرا لظروف ألمت بها .. و ها هي متحيرة في كم الملابس و نوعها و المفترض وضعها في حقيبتها حتى يتنسنى لها الاهتمام بالامور الأخرى الخاصة بشقتهما .. تلك الشقة هى ميراثهما الوحيد من والديهما الراحلين و التي سكنتها معهما و أخيرا مع اخيها الذى يعمل الان مهندسا للرى معين حديثا بإحدى مدن الصعيد ..
تنهدت وهي تندفع خارج الغرفة باتجاه المطبخ لتصنع لنفسها كوبا من الشاي الساخن لعله يمنحها بعض الدفء وتساءلت ماذا ستفعل في تلك البلاد الباردة التي هى في سبيل السفر اليها عما قريب وهي لا تحتمل البرد بهذا الشكل و ابتسمت و هي تحتضن كوب الشاي الذي صنعته على عجالة متخيلة نفسها أشبه بتلك الدجاجة التي تحتفظ بها في المبرد و هي وسط ذاك الثلج الذى يحيطها من كل جانب في تلك البلد الاروبية الباردة..
جلست تضع شالها الصوفي يضم كتفيها والذي كان يوما ما لأمها و فتحت التلفاز لعلها تأنس بما يصرف عنها ذاك الشعور القاټل بالوحدة ..
و لكن لم يفلح اي من تلك المشاهد المعروضة على الشاشة في جذب انتباهها لتسرح كعادتها في ذكريات الماضى الذى تزخر به أركان تلك الشقة العتيقة ..
رحل والداها تباعا لتصبح هي المسؤولة عن اخيها الذى لا تكبره الا ببضع سنوات .. أصبحت الام و الأب له في مرحلة خطېرة من حياته .. لكنه لم يخيب ظنها وكان دوما نعم الأخ العاقل المستقيم أخلاقيا و دينيا والذي كانت تفخر به دوما في كل محفل مؤكدة على الرغم من فارق