انت لي٣
المحتويات
رفعهما
سيف أسرع فعدل من وضعي و سأل بقلق
أ أنت بخير
دوار ...
أسرع سيف فقرب عبوة عصير من شفتي و قال
اشرب قليلا
رشفت رشفتين أو ثلاث و اكتفيت . سيف كان قلقا و ظل يلح علي بتناول بعض الطعام ألا أنني لم أكن أشعر بأدنى رغبة حتى في شم رائحته ...
بعد قليل زال الدوار جزئيا و فتحت عيني و مددت بالمحفظة إلى سيف و قلت
هل لي بعلبة سجائر
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشر ليلا حينما أشار آخر شخص سألناه عن منزل شاكر جليل أبي وليد إلى منزل صغير يقع عند المنعطف التالي ...
سأل سيف الرجل
أ أنت متأكد شاكر جليل المكنى بأبي وليد رجل قدم مع عائلته من وسط البلاد
نعم إنه هو و يقيم هنا منذ سبع أو ثمان سنين !
لم يكن الشيء الذي يهتز هو قلبي فقط بل و أطرافي و شعري و مقعدي بل و السيارة أيضا !
تبادلنا أنا و سيف النظرات ... ثم تحرك بالسيارة ببطء حتى أصبحنا إزاء المنزل مباشرة ...
هيا يا وليد ...
بقيت في مكاني و لم تخرج مني بادرة تشير إلى أنني أنوي النهوض
وليد ! هيا بنا ! أم تفضل الانتظار حتى الغد فربما يكون الجميع نيام !
قلت بسرعة
لا لا ... مستحيل أن أنتظر دقيقة بعد ...
و مع ذلك بقيت في مكاني بلا حراك عدا عن الاهتزازات التي تعرفون ...
ما بك قلق
ماذا لو لم يكن المنزل المقصود أو العائلة المعنية هل نستمر في البحث أكثر أنا مجهد جدا
هون عليك ربما وصلنا أخيرا . سنتأكد من ذلك
كيف لي أن أبقى صامدا قويا و أنا على وشك رؤية أهلي ...
في داخل هذا المنزل ... يعيش أمي و أبي ... و أخي و أختي ... و الحبيبة رغد !
ربما هم نيام الآن !
لا بد أنهم سيفاجؤون لدى رؤيتي ....
كم أنا مشتاق إليكم جميعا ...
إن هي إلا لحظات ... و ألتقي بكم !
يا إلهي ! أكاد أموت من الشوق و القلق ...
أخرجت الصورتين من جيبي و أخذت أتأمل أفراد عائلتي ...
ثم ثبت أنظاري على صورة رغد و هي تلون ...
رغد ...
يا حلوتي الصغيرة ...
ها أنا قد عدت ...
دعك من الصورة ... و هيا إلى الأصل !
قال سيف و هو يفتح الباب و ينزل ...
قرعنا الجرس مرارا ... حتى خشيت أن يكون البيت قد هجر ... و أهلي قد رحلوا ... و أملي قد ضاع ...
و لكن الباب انفتح أخيرا ...
و أطل منه شاب يافع ... طويل القامة ... نحيل الجسم ... مشوه الوجه بندبة أكدت لي بما لا يقبل الشك ... أنه شقيقي الوحيد ... سامر ....
سامر ... يا أخي !
دخلت في دوامة لا أستطيع وصفها ... من الصړاخ و الهتاف ... البكاء و النحيب ... الدموع و العناق ...
تلقفتني الأيدي و الأذرع و الأحضان ... و أمطرت بالقبل و امتزجت الدموع بالآهات و التهاليل بالولاول ... و ما عدت أدرك إن كان أهلي من حولي حقا أم أنني توهمت خروجهم من الصورة ...
لقد مضى وقت لا أعرف مقداره و أنا أدور بين أحضانهم في عناق تختلط فيه الدموع ...
والدتي لم تقو على الوقوف من هول المفاجأة فجلسنا جميعا قربها و استحوذت على رأسي و ضمته إلى صدرها و جعلنا نبكي بحرارة
و أبي جالس قربي يكرر حمد الله و شكره و يجهش بكاءا
و أخي سامر ممسكا بذراعي من جهة و دانة من جهة أخرى
و لم يعد هناك مجال للكلمات ...
لا أستطيع وصف المزيد
أنى لذاكرتي أن تستوعب حرارة كهذه دون أن تنصهر
أطلقت والدتي سراح رأسي لبعض الوقت ... فالټفت نحو دانة
كم كبرت و أصبحت ... فتاة مختلفة !
فتحت فمي لأتكلم فإذا بالدموع الحارة تتسلل إلى داخله ...
و ربما هذا ما منح لساني القدرة على الحركة و النطق ...
لكن صوتي جاء مبحوحا خاڤتا ضعيفا كصوت طفل يختنق ...
رغد
هبت دانه واقفة و صعدت عتبات تلي المدخل عتبتين عتبتين و أسرعت الخطى ذاهبة لاستدعاء رغد
وقفت في قلق و وقف الجميع معي و هم لا يزالون يقتسمون حضڼي و ذراعي ...
كنت أنظر إلى الناحية التي ذهبت إليها دانه ... و لو لم أكن مربوطا بالجميع لذهبت خلفها ...
لا ...
بل لسبقتها ...
الآن ستظهر رغد !
هل نفذ الهواء الذي من حولي أنا اختنق ...
هل طلعت الشمس في غير موعدها إنني أحترق ...
هل تهتز الأرض من تحت رجلي أكاد أنهار ... لولا أنهم يمسكون بي ...
ستأتي رغد ... سأحضنها ... و أحملها على ذراعي ... و أؤرجحها في الهواء كما كنت أفعل دائما ...
هيا يا رغد ... اظهري ... تعالي ... أسرعي إلي ...
و من حيث كنت أحدق بصبر نافذ تماما ظهرت مخلوقة جاءت تركض بسرعة ... و توقفت عند أعلى العتبات ....
كما توقفت هي توقف كل شيء كان يتحرك في هذا الكون فجأة ... بما فيهم قلبي المزلزل ...
توقفت عيني حتى عن سكب الدموع و عن الطرف ...
و تثبتت فوق عيني الفتاة الواقفة أعلى العتبات ... تنظر إلي بذهول ... فاغرة فاها
هل جرب أحدكم أن يوقف شريط الفيديو أثناء العرض
هكذا توقف الكون عند هذه اللحظة التي ربما تجاوزت القرون طولا ...
وجها لوجه ... أمام مخلوقة يفترض أن تكون رغد ... و لم تكن رغد ...
كنت انتظر أن تظهر رغد ... تماما كما تركتها قبل ثمان سنين ... طفلة صغيرة أعشقها پجنون ... تركض نحوي بلهفة ... و ترفع يديها إلي بدلال ... و تقول
وليد ... احملني !
لم أعد أرى جيدا ... أصبت بغشاوة من هول الصدمة المفاجئة ... و المشاعر المتلاطمة پعنف ...
أردت أن أخرج الصورة من جيبي ... و أسأل الجميع ... أهذه هي صغيرتي رغد
لكنني بقيت جامدا متصلبا متخشبا كما أنا ...
أول شيء تحرك كان فم الفتاة ... ثم إصبعها الذي أشار نحوي و بصعوبة و بجهد و بحروف متقطعة قالت
و ... ل ... ي ... د
ثم فجأة و دون أن تترك لي الفرصة لأستعد لذلك قفزت رغد من أعلى العتبات باندفاع نحوي فحررت ذراعي بسرعة من بين أذرع البقية و رفعتها نحو رغد التي هوت على صدري و هي تهتف
وليد
الآن فقط آمنت تماما بحقيقة دوران الأرض حول نفسها ...
لقد كنت أنا المحور
و كانت الأشياء تدور من حولي بسرعة ...
بسرعة ...
بسرعة ...
كدنا نهوي أرضا لو لم يسرع أبي و سامر لإسنادنا لكنني لم أكن قادرا على الوقوف
أما رغد ...
صغيرتي التي كبرت ... فقد كانت ممسكة بي بقوة جعلتني أشعر أنها ستخترق جسدي
بل اخترقته ...
لثمان سنين فقط أريد لهذه اللحظة أن تستمر ...
لثمان
متابعة القراءة