انت لي٤
المحتويات
ليس لها مثيل ...
و حسبي الله و نعم الوكيل ...
سمعت صوت تغريد عصفور شق سكون الجو ... و نبهني للوقت الذي يمضي ...
و الوقت الذي قد مضى ...
و الوقت القادم المجهول ...
كم سخرت الدنيا مني ... فهل من مزيد
صغيرتي ... أنا ذاهب ...
رغد ظلت تنظر إلي و تبكي بغزارة ... و لم يكن باستطاعتي أن أمسح دموعها ...
استدرت موليا إياها ظهري ... لكن صورتها بقيت أمام عيني مطبوعة في مخيلتي ...
سرت خطى مبتعدا عنها ... نحو البوابة الرئيسية للفناء و فتحتها ...
قلت
اقفلي الباب من بعدي ..
دون أن الټفت نحوها ... فهو دوري لأذرف الدموع ... التي لا أريد لأحد أن يراها و يسبر غورها ...
وليد
و كعصفور يطير بحرية ... بلا قيود و لا حدود ... و لا اعتبار لأي شيء ... أقبلت نحوي ...
استدرت ... و تلقيت سهما اخترق صدري و ثقب قلبي ... و بعثر دمائي و مشاعري في لحظة انطلقت فيها روحي تحلق مع الطيور المرفرفة بأجنحتها ... احتفالا بمولد يوم جديد ...
منذ الساعة التي أجريت فيها المقابلة الشخصية و طرح علي السؤال عن خبراتي و مؤهلاتي و عملي في السابق أدركت أن الأمر لن يكون يسيرا ...
حصلت على الوظيفة رغم ذلك بتوصية حادة من صديقي سيف الذي ما فتئ يشجعني و يحثني على السير قدما نحو الأمام
و خلال الأشهر التالية واجهت الكثير من المصاعب ... مع الآخرين .
بطريقة ما انتشر نبأ كوني خريج سجون بين الموظفين و تعرضت للسخرية و المعاملة القاسېة من قبل أكثرهم
كنت أعود كل يوم إلى المنزل مثقلا بالهموم و عازما على عدم العودة للشركة مجددا إلا أن لقاءا قصيرا أو مكالمة عابرة مع صديقي سيف تنسيني آلامي و تزيح عني تلك الهموم ...
أصبح صديقي سيف هو باختصار الدنيا التي أعيشها ...
توالت الأشهر و أنا على هذه الحال و كنت أتصل بأهلي مرتين أو ثلاث من كل شهر ... اطمئن على أحوالهم و أحيط علما بآخر أخبارهم
علمت أن رغد التحقت بكلية الفنون و أن دانه قد حددت موعدا لزفافها بعد بضعة أشهر .. و أن والدي يعتزمان تأدية الحج هذا العام ...
أما سامر فقليلا جدا ما كنت أتحدث إليه حين أتصل و يكون صدفة متواجدا في المنزل إذ انه كان يعمل في مدينة أخرى ...
في الواقع أنا من كان يتعمد الاتصال في أيام وسط الأسبوع أغلب الأوقات .
لقد تمكنت بعد جهد طويل من طرد الماضي بعيدا عن مخيلتي إلا أنني لازلت احتفظ بصورة رغد الممزقة موضوعة على منضدتي قرب سريري إلى جانب ساعتي القديمة ألمها ثم أبعثرها كل ليلة !
حالتي الاقتصادية تحسنت بعض الشيء و اقتنيت هاتفا محمولا مؤخرا إلا إنني تركت هاتف المنزل مقطوعا عن الخدمة .
أما أوضاع البلد فساءت عما كانت عليه ... و أكلت الحړب مدنا جديدة ...
و أصبح محظورا علينا العبور من بعض المناطق أو دخول بعض المدن ...
في مرات ليست بالقليلة نتبادل أنا و سيف الزيارة و نخرج سوية في نزهات قصيرة أو مشاوير طويلة هنا أو هناك ...
في إحدى المرات كنت مع صديقي سيف في مشوار عمل و كنا نتأمل مشاهد الدمار من حولنا ...
الكثير الكثير من المباني المحطمة ... و الشوارع الخربة ...
مررنا في طريقنا بأحد المصانع و لم يكن من بين المباني التي لمستها يد الحړب ... فتذكرت مصنع والدي الذي تدمر ...
قلت
سبحان الله ! نجا هذا من بين كل هذه المباني المدمرة ! ألا يزال الناس يعملون فيه
أجاب سيف
نعم ! إنه أهم مصنع في المنطقة يا وليد ! ألا تعرفه
كلا ! لا أذكر أنني رأيته مسبقا !
ابتسم سيف و قال
إنه مصنع عاطف ... والد عمار ... يرحمهما الله !
دهشت ! فهي المرة الأولى التي أرى فيها هذا المبنى ... !
أخذت أتأمله بشرود ... ثم انتبهت لكلمة علقت في أذني ...
ماذا رحمهما الله
سألت سيف باستغراب معتقدا بأنه قد أخطأ في الكلام ... قال سيف
نعم ... فعاطف قد ټوفي العام الماضي ... رحمه الله .
انت لي......
بين يوم و آخر يحضر نوار لزيارة دانة أو الخروج معها للعشاء في أحد المطاعم أو للتنزه ... أو شراء مستلزمات الزفاف و عش المستقبل !
إلى أين ستذهبان اليوم
سألتها و هي ترتدي عباءتها استعدادا للخروج قالت
إلى محلات التحف أولا ثم إلى الشاطئ ! سأعود ليلا !
قلت
الشاطئ رائع ! كم أشتاق الذهاب إليه !
قالت بمكر
تعالي معنا !
نظرت إليها باستهتار ثم أشحت بوجهي عنها ... قلت
كنت سأفعل لو أن خطيبك لم يكن ليرافقنا !
قالت بخبث
نذهب وحدنا أنا و أنت
نأخذ أبي و أمي ! ما رأيك دانة اصرفيه و دعينا نذهب نحن الأربعة !
لا تكوني سخيفة !
و انصرفت عني ترتب عباءتها أمام المرآة ...
قلت
في كل يوم تخرجين معه ! لم لا تتنازلين عن هذا اليوم لنخرج معا إنني أشعر بالملل
قالت
غدا يعود سامر و اذهبي معه حيث تريدين !
و غدا هو موعد زيارة سامر الذي يأتي مرة أو مرتين من كل شهر ... ليقضي عطلة نهاية الأسبوع معنا ...
لكن ...
لكنني لا أشعر بالحماس للذهاب معه ...
حين أقارن بين وضعي و وضع دانة أشعر بفارق كبير ... إنها منذ لحظة ارتباطها تعيش سعادة و بهجة متواصلة ... و تستمتع بحياتها كل يوم
خطيبها رجل ثري و يغدق عليها الهدايا و الهبات !
كل يوم أذهب أنا للكلية ثم أعود و أقضي وقتا لا بأس به في الواجبات و في الرسم بينما تستمتع دانه بالنزهات و الرحلات مع خطيبها المغرور ...
و في أحيان أخرى تقضي ساعات طويلة في التحدث معه عبر الهاتف !
حين يتصل سامر فإن حديثنا لا يستغرق غير دقائق ...
فهل كل المخطوبين مثل دانه سواي أنا
قلت أستفزها
و على كل ... فخطيبك شخص مغرور و بغيض ! لا أعرف كيف تحتملين البقاء معه كل هذه الساعات !
التفتت دانه نحوي و نظرت إلي بخيلاء و قالت
مغرور و حتى لو كان كذلك ! يحق له ... فهو أشهر و أغنى لاعب في المنطقة ! أما بغيض ... فلا تعني شيئا ! فهو رأيك في جميع الرجال !
و صمتت لحظة ثم قالت
و ربما حتى سامر ! أنت خالية من الرومانسية يا رغد ! و لا تعرفين كيف تحبين أو تدللين خطيبك !
و هنا سمعنا صوت جرس الباب فانطلقت دانه مسرعة تحثني على الخروج من غرفتها ثم تقلق الباب ... و تغادر ...
ربما نسيت دانه ما قالت حتى قبل أن تغادر لكن كلماتها ظلت
متابعة القراءة