انت لي ٦

موقع أيام نيوز

جعلتهما تنهضان .. دانة تسحب قدميها سحبا .. و رغد مستندة إلي.. أجرها معي ..
وصلنا بعد ذلك إلى محطة وقود .. و صار من بقي من الناس يركضون باتجاهها و يقتحمون البقالة الصغيرة التابعة لها كالمجانين بحثا عن الماء..
أسرعت أنا أيضا بدوري إلى هناك .. أسحب الفتاتين و حين اقتربت من الباب و رأيت الناس تتعارك يرص بعضهم بعضا قلت للفتاتين 
انتظراني هنا 
و حررتهما من يدي وأنا أقول 
لا تتحركا خطوة واحدة 
و هممت بالذهاب لمزاحمة الآخرين..
رغد صړخت صړخة حنجرة مېتة 
لا تذهب 
قلت 
سأجلب الماء .. انتظريني 
و حين سرت خطوة مدت هي يدها و أمسكت بذراعي تسحبني تجاهها و تقول في ذعر 
لا تذهب وليد .. كلا ..كلا .. 
حررت ذراعي من يدها و زمجرت 
دعيني أدرك الماء قبل أن يدركنا المۏت.. ستموتين إن لم ألحق 
سأموت إن ذهبت 
لا أعرف كيف أصف الشعور الذي انتابني لحظتها..
في قعر الضعف و اليأس و الاستسلام.. أرى صغيرتي متشبثة بي في خشية من أن الوحدة.. بينما المۏت أولى بأن تخشاه و تهرب منه..
قلت موجها كلامي لدانة 
أمسكي بها 
و دفعت بيدها بعيدا عني و أسرعت إلى البقالة..تلاحقني صيحاتها..
غصت وسط الزحام و لم استطع نيل أكثر من قارورتي ماء صغيرتين و علبة عصير انتشلتها انتشالا و ركلت من حاول سلبها مني..
خرجت بغنيمتي من المعركة و جريت نحو الموضع الذي تركت الفتاتين فيه فلم أجدهما..
تلفت يمنة و يسرة فلم أجدهما ...
جن چنوني و رحت أهتف مناديا 
رغد... دانة ... أين أنتما 
ثم سمعت صوت دانة تهتف 
وليد .. هنا 
و وجدتها تجلس عند خازنات الوقود و رغد ملقاة أرضا إلى جوارها..
ركضت نحوها فزعا..
ماذا حدث 
ربما ماټت لا أعرف إنها لا تستفيق 
مسكت رغد و هززتها بقوة و أنا أصرخ 
رغد .. أفيقي.. لقد جلبت الماء.. أفيقي هيا ..
بالكاد ترمش بعينيها.. فتحت علبة العصير و أدخلت طرف الماصة بداخلها و الطرف الآخر في فم رغد و ضغطت على العلبة حتى يتدفق العصير إلى فم رغد.. رغد حركت شفتيها قليلا.. ثم أخذت تبلع العصير.. ثم تشربه..
اشربي.. اشربي ..
أما دانة فأخذت إحدى قارورتي الماء و شربتها كاملة دفعة واحدة.. و تقاسمت أنا و رغد القارورة الأخرى..
اشربي المزيد.. اشربيه كله.. 
الناس كانوا يدخلون و يخرجون من البقالة كل يحمل الطعام و الشراب.. دون مراعاة لأي حقوق.. و أي لياقة.. ففي وضع كالذي كنا عليه.. ينسى المرء نفسه..
استردت رغد وعيها الكامل .. و شيئا من قوتها..
أأنت بخير الآن رغد أيمكنك النهوض 
أومأت برأسها إيجابا فنهضنا نحن الثلاثة و أنا مسندا إياها..
قلت 
سأجلب طعاما يمنحنا القوة لمتابعة السير
رغد قالت 
أنا متعبة.. لا أستطيع السير بعد.. لا أستطيع 
و نظرت إلى دانة فقالت هي الأخرى 
و لا أنا.. دعنا نرتاح ساعة 
و في الواقع جميع من كانوا يسيرون جلسوا للراحة و تناول ما امتدت إليه أيديهم من الطعام..
اخترنا نحن بدورنا موضعا لنجلس فيه .. بعيدا بعض الشيء عن الآخرين .. ذاك أني لم أشأ جعل الفتاتين عرضة لأعين الغير..
بعدما استقررنا هناك أردت العودة إلى البقالة و إحضار أي طعام.. إلا أن رغد منعتني .. فالتزمت مكاني ..
كنت أراها تضغط على جرحها من حين لآخر.. و تعبيرات وجهها تتألم و أسمعها تئن..
قلت 
أهو مؤلم جدا تحملي صغيرتي.. قليلا بعد
و لا يزيدها ذلك إلا أنينا..
أنا متعبة 
قالت و هي بالكاد قادرة على حمل رأسها و تكاد تسقطه .. و تدور بعينيها في المكان .. و تفرك يديها من البرد ..
تفطر قلبي لرؤيتها بهذا الشكل.. و لم أعرف ما أفعل إن صغيرتي تتألم و على حافة المۏت.. ماذا أفعل 
هي رأتني أراقب تحركاتها و تململها .. قالت 
أريد أن أنام 
قلت 
اضطجعي و نامي صغيرتي.. 
حركت رأسها اعتراضا.. بينما عيناها تكادان تنغلقان رغما عنها..
رأفت بحالها البائس.. و قلت بعطف 
اضطجعي رغد.. أنت متعبة جدا .. استرخي هيا..
رغد نظرت إلى دانة.. ثم إلى الناس ثم إلي بتردد..
قلت مشجعا 
هيا صغيرتي .. لا تخشي شيئا 
و بادرت دانة بالاضطجاع .. بدورها.. فتشجعت رغد.. و همت بالانبطاح.. لكنها قالت قبل ذلك 
لا تذهب إلى أي مكان وليد أرجوك 
قلت مطمئنا 
لا تقلقي أنا باق هاهنا 
ثم تمددت على الرمال.. و أغمضت عينيها ..
أنا أيضا استلقيت على الرمال المجردة.. طالبا بعض الراحة .. و سرعان ما رأيت رغد تجلس و هي تنظر إلي و تقول 
هل ستنام 
قلت 
كلا.. سأسترخي قليلا 
و بدت مترددة ..
قلت 
عودي للنوم رغد .. اطمئني 
فعادت و استلقت على الأرض .. و سكنت قليلا .. قم عادت فجلست و ألقت نظرة علي !
قلت 
ماذا 
قالت 
لا تنم وليد أرجوك 
جلست مستويا و قلت 
لن أنام صغيرتي .. نامي أنت و أنا سأبقى أراقب ما حولنا .. اطمئني 
و أخيرا اطمأن قلبها أو ربما تغلب عليها النعاس و التعب فاستسلمت للنوم بسرعة..
في العراء.. ننام مفترشين الأرض الجرداء... ملتحفين السماء .. تهب علينا التيارات الباردة تجمد أطرافنا .. فنرتجف .. و تقشعر أجسادنا و قلوبنا .. ثم لا تجد ما يدفئها و يهدئ روعها..
كان الليل يمر ساعة بعد أخرى.. دون أن نحسب الزمن..
عاد البدر يراقبنا و يشهد تشردنا .. و حال لم يخلق الله مثلها حالا ..
أراقب الفتاتين فأجدهما مستغرقتين في النوم .. و أنا شديد الإعياء .. و السكون و الظلام مخيم على الأجواء.. و معظم الناس رقود..
النعاس غلبني أنا أيضا.. فقد نلت ما نلته من الإجهاد.. لكنني كنت أقاومه بتحد .. كيف لعيني أن تغفوا و فتاتاي نائمتان في العراء.. عرضة لكل شيء .. و أي شيء 
وقفت كي أطرد سلطان النوم و جعلت أحوم حول الفتاتين و أذرع المكان ذهابا و جيئة.. و أقترب منهما كل حين أراقب أنفاسهما.. و أطمئن إلى أنهما نائمتان و على قيد الحياة..
أنا متعب.. متعب.. أكاد أنهار.. رأسي دائخ و الكون يدور من حولي.. و عيناي تزيغان ..
يا رب.. إن عينك لا تغيب و لا تغفل.. و لطفك و رحمتك وسعا كل شيء.. فاشملنا تحت حفظك..
أ اغمض عيني لحظة واحدة فقط لحظة.. أهدئ من تهيجهما و حرارتهما.. لحظة واحدة يا رب..
و لم تطعني عيناي كما أبى قلبي أن يغفل عنهما طرفة عين...
فيما أنا بهذه الحال.. بعد مضي فترة من الزمن.. أبصرت نورا يقترب منا قادما من آخر الشارع..
إنها سيارة ! السيارة الأولى التي تعبر هذا الشارع مذ تشردنا فيه ..
لم تكن سوى سيارة حوض.. ما أن رآها بعض الناس حتى أسرعوا راكضين إليها طالبين النجدة..
أسرعت إلى الفتاتين و أيقظتهما 
رغد.. دانة
تم نسخ الرابط