انت لي ٦
المحتويات
أو سيارة.. صړخت الفتاتان و ارتعشت يداي و انحرفت في سيري جاهلا.. أيهما سيكون الأسرع لتحديد مصيرنا .. قنبلة ما أم اصطدام ما أم أن النجاة ستكتب لنا بقدرة من لا تفوق قدرته قدرة و لا يضاهي رحمته رحمة..
كنت أشهد أمامي تصادم السيارات المسرعة التي فرت من المۏت.. و إليه
و أرى أشياء ترتطم بزجاج سيارتي و تحدث تصدعات و كسور تحول دون وضوح الرؤية أمام عيني..
لم يكن باستطاعتي إلا الاستمرار في طريقي اللا محدد .. و كما تسير الحية سرنا ذات اليمين و ذات الشمال ننعطف كلما ظهر شيء أمامنا و نسلك كل تشعب نلقاه حتى انتهى بنا الطريق إلى شارع رئيسي...
حانت مني الآن التفاتة أخيرا إلى اليمين.. فرأيت الفتاة الجالسة إلى جانبي و قد انثنت بجدعها إلى الأمام حتى لامس رأسها ركبتيها و وضعت ذراعيها على جانبي رأسها لتحاشي رؤية أو سماع شيء.. بينما أنفاسها الباكية اللاهثة تكاد تلهب قدمي الحافيتين..
رغد..
لم تغير من وضعها ..
الټفت إلى الوراء لألقي نظرة على دانة فوجدتها هي الأخرى مكبة على وجهها تحتضن المقعد المجاور و تنوح و تصرخ ..
يا رب.. يا رب.. يا رب..
هتفت بأعلى صوتي
يا رب.. يا رب.. يا رب
هتفت رغد بصوتها المبحوح المرتجف
يا رب.. يا رب.. يا رب
لم يكن لدينا أمل في النجاة إلا برحمة الله..
أسير في الشارع بسرعة چنونية دون هدف.. وسط قصف جوي مباغت.. و القنابل و الصواريخ تهوي من السماء كالوابل.. و الأرض تتزلزل من تحتي.. و معي فتاتان مذعورتان تصرخان بفزع و هلع.. و النيران تحاصرني و تحيط بي من جميع الاتجاهات... وسط ليلة غدر عجت سماؤها بألسن الڼار و الشړ.. مخلفا منزلا محترقا متهدما.. و مستقبلا مصيرا مجهولا غامضا..
كم من الوقت مضى.. لا أعرف
كم من المسافة قطعت لا أعرف ..
ألا زالت الفتاتان على قيد الحياة
لا أعرف
أنجونا من المۏت
أيضا لا أعرف...
الشيء الذي ألاحظه هو أنني في وسط طريق بري.. و لم أعد أرى السماء متوهجة.. و لم أعد أحس بالأرض ترتعد كما لم أعد أسمع الدوي و لا الضجيج...
رغد.. دانة..
لم تجب أي منهما...
رغد.. دانة أتسمعانني
و أيضا لم تردا..
هلعت رفعت يدي اليمنى عن المقود و مددتها نحو رغد التي لا تزال على نفس الوضع..
رغد صغيرتي.. ردي علي..
ببطء تحركت رغد حتى استوت جالسة و هي تخفي وجهها خلف يديها خشية النظر .. و شيئا فشيئا فرقت ما بين أصابعها و سمحت لنظرة منها للتسلل إلى المحيط و رؤية ما يجري..
لقد ابتعدنا.. أأنت بخير
نظرت رعد غير مصدقة.. إلى الشارع .. إلى السماء.. إلى الطريق من أمامنا .. إلى دانة من خلفنا.. و إلي..
لم تستطع النطق بأي كلمة.. عادت تنظر إلى الوراء تريد أن تنادي دانة الډافنة وجهها في المقعد المجاور .. إلا أنها عجزت عن ذلك..
نظرت أنا إلى دانة و هتفت بصوت عال
دانة.. عزيزتي.. اجلسي أرجوك
دانة لفت برأسها إلينا و جعلت تنقل بصرها بيننا ..
ثم جلست و نظرت عبر النافذة المغلقة ثم قالت
أين نحن
قلت و أنا أنظر إليها عبر المرآة
الله أعلم
قالت
أين نذهب
قلت
الله أعلم.. فقط لنبتعد عن منطقة الخطړ..
نظرت إلى الوراء ثم إلي و قالت
هل سننجو
أنى لي أن أتنبأ
الله الأعلم..
دانة اقتربت من مسند مقعدي حتى التصقت به و مدت يدها عبر الفتحة بين المقعدين إلى ذراعي تمسك به و تصيح
هل هذه حقيقة وليد هل أنا أحلم ألا زلت نائمة هل مت هل أنا حية
رفعت يدي فأمسكت بيدهاإن لأواسها أو لأطلب منها المواساة .. و كم كانت باردة كالثلج...
وليد
هذه كانت رغد التي تنظر إلي ربما طالبة المواساة و الأمان هي الأخرى.. ثم ضمت يدها إلى أيدينا و دخلتا في نوبة طويلة و قوية من البكاء و النواح..
لقد كنت أنا أيضا بحاجة للبكاء مثلهما.. فما رأيت كان من الفظاعة و الشناعة ما يجعل الجبال الصخرية تخر مڼهارة..
إلا أن الدموع ستحول دون الرؤية أمامي و أنا أقود وسط الظلام بسرعة رهيبة..
تماسكت و ركزت على الطريق..
فجأة.. قالت دانة
نوار !
ثم أخذت تلطم على وجهها و تنوح..
يا إلهي ماذا جرى لنوار
و نظرت إلي و هي تسأل
الهاتف
و لكن الهاتف لم يكن معي...
إننا نفذنا بجلودنا و الله العالم بما حل بمن بقي في المدينة..
لم تهدأ من نوبة النواح إلا بعد زمن... أظن القنوط غلبها و استسلمت لما يخبئه لنا القدر
انتبهت الآن إلى عبوة لمشروب غازي موضوعة إلى جانبي و كنت قد اشتريتها يوم أمس أثناء تجولي بالسيارة ثم لم أشربها.. مددت يدي إليها و لمست حرارتها التي استمدتها من حرارة السيارة..
خففت السرعة و أخذت العبوة و فتحتها بيدي اليمنى ثم مددتها نحو رغد..
اشربي
إذ لا بد أن حلوقنا جميعا جافة متخشبة من هول ما مررنا به..
رغد أمسكت العبوة بكلتا يديها و قربتها من فمها و رشفت مقدار ما رطب جوفها و أعادتها إلي..
دانة.. خذي اشربي
مدت دانة يدها و تناولت العلبة و شربت منها ثم أعادتها إلي .. و جاء دوري لأشرب..
كان ساخنا غير مستساغ المذاق إلا أن العطش اضطرنا لازدراده عن آخره دون تذوق.
ساعة السيارة كانت تشير إلى الثالثة و الأربعين دقيقة فجرا.. عندما رأيت أضواء أمامي... و طابور من السيارات الواقفة خلف بعضها البعض.. ظهر لي أنها نقطة تفتيش أو ما شابه..
خففت السرعة تدريجيا حتى انضممت إلى طابور السيارات.. و بدأ القلق يزداد بسرعة في نفسي و نفسي الفتاتين..
بدأ الطابور يتحرك ببطء.. لا يتناسب و تسارع نبض قلبي و أنفاسي..
و أخيرا حان دوري..
فتحت نافذة بابي فقرب الشرطي رأسه منها و طلب البطاقة و الاستمارة و رخصة القيادة
بعدها بدأ بطرح الأسئلة.. عن مكان قدومي و وجهتي..
لقد فررت بعائلتي من المدينة الصناعية... حيث القصف المباغت.. سأنزل أقرب مكان آمن..
و يبدو أنها كانت إجابة معظم من في السيارات السائرة قبلي..
من معك
شقيقتي و ابنة عمي
ألديك بطاقتيهما
لا لم أفكر في إحضار شيء كهذا فقد نفذنا بجلودنا فقط
الشرطي أطل برأسه من النافذة ناظرا نحو من يركب السيارة معي.. ثم طلب مني إيقاف السيارة جانبا و النزول.
ركنت السيارة جانبا و هممت بالنزول.. الفتاتان هتفتا في وقت واحد
وليد
پخوف و وجل..
إن نسيتم فسأذكركم بأنني أرتعد خوفا من الشرطة و العساكر.. بعد الذي لاقيته في السچن تلك السنين.. و إن كنت سأطمئن الفتاتين فإن على أحدهم طمأنتي بادىء ذي بدء..
قلت بصوت مضطرب
لا تقلقا.. سأرى ما يريدون
نزلت من السيارة و وطأت قدماي الحافيتين الشارع.. و ذهبت إلى حيث كان رجال الشرطة يقفون مع مجموعة من سائقي السيارات المركونة إلى جانب سيارتي..
الجو كان باردا و كذلك الأرض.. لكن رعدة جسدي الحقيقية
متابعة القراءة