انت لي ٦
المحتويات
كانت من أثر القصف و منظر رجال الشرطة المهاب..
هناك استجوبني الرجال و دونوا المعلومات ثم طلبوا مني فتح السيارة لتفتيشها
عدت إلى السيارة و معي اثنان منهم بعد قرابة العشرين دقيقة.. و فتحت الباب المجاور لرغد أولا و قلت
يريدون تفتيش السيارة اهبطا
لم تتحرك الفتاتان مباشرة تلفتت رغد من حولها فرأت شماغا لي ملقى على مقعدي يظهر أنني نسيته في السيارة يوم أمس فأخذته و تلثمت به.. ثم هبطت حافية القدمين أيضا و وقفت إلى جواري مباشرة و حين فتحت الباب الخلفي لدانة أبت الخروج.. و أشارت إلى شعرها..
لم تكن دانة ترتدي حجابا
نظرت من حولي فلم أجد شيئا أغطي به رأس شقيقتي.. فضلا عن قدميها.. فيما الشرطيان يقفان على مقربة و الناس من حولي كثر..
نزعت قميص نومي و قدمته لها لتختمر به.. و بعدما نزلت التصقت بي من جهة بينما رغد من الجهة الأخرى..
أمسكت بيدي الفتاتين و سرت مبتعدا عن السيارة بعض الشيء لأفسح المجال لرجلي الشرطة للتفتيش.
بعد فراغهما من المهمة سألتهما
أيمكننا الذهاب
قال أحدهما
ليس بعد. فمغادرة هذه المنطقة محظورة لحين إشعار آخر
ثم أشار إلى الناحية الأخرى من الشارع و قال
ابقوا هناك..
نظرت إلى تلك الناحية فرأيت مجموعة من الناس الذين أوقفهم رجال الشرطة مثلنا يقف بعضهم و يجلس البعض الآخر على حافة الشارع متفرقين..
شددت الضغط على يدي الفتاتين و عبرت الشارع معهما تطأ أقدامنا الحافية العاړية الأرض الجرداء و تستقبل أجسادنا تيارات الهواء البارد فتقشعر.. و يزداد اقترابنا من بعض و تشبثنا ببعض والناس في شغل عن النظر إلينا.. بأنفسهم و ذويهم .. و إلى السماء يرتفع البكاء و العويل و الصړاخ و النواح.. من كل جانب.. و إليها أرفع بصري فأرى بدر الليلة السادسة عشر من شهر الحج يشهد فاجعة شعب غدر به عدوه و انتهك حرمته في غفلة من أعين الناس.. و عين الله فوق كل عين شاهدة .. شاهدة.
انت لي....
على الرمال الناعمة بمحاذاة الشارع جلست بين الفتاتين بعدما أعيانا طول الوقوف و الانتظار..
و من حولنا أناس كثر متفرقون .. نسمع بكاء النساء و الأطفال ..
أرى رغد تفرك يديها ببعضهما البعض بقوة و باستمرار و تهف عليهما طالبة شيئا من الدفء . لقد كانت ترتجف بردا.. أكاد أسمع اصطكاك أسنانها بعضها ببعض..
أما دانة فكان وجهها مغمورا تحت ثنايا القميص و مستسلمة لصمت موحش..
لم تكن الشمس قد أشرقت بعد.. و كان التعب قد أخذ منا ما أخذ و نرى رجال الشرطة يجولون ذهابا و جيئة و أعيننا متشبثة بهم..
الټفت ناحية رغد و سألتها
أتشعرين بالبرد
الصغيرة أجابت بقشعريرة سرت في جسدها..
أنا أيضا كنت أشعر بالبرد لا يدفئ جدعي سوى سترتي الداخلية الخفيفة..
لكن إن تحملت أنا ذلك فأنى لفتاة صغيرة تحمله
ألقيت نظرة على مجموعة من رجال الشرطة المتمركزين قرب السيارات ثم قلت
دعانا نذهب إلى السيارة
و وقفت فوقفت الفتاتان من بعدي و سرت فسارتا خلفي تمسك كل منهما بالأخرى حتى صرت قرب رجال الشرطة..
نظروا إلى بتشكك.. و سألني أحدهم عما أريد
أود البقاء في سيارتي فقد قرصنا البرد
عد من حيث أتيت يا هذا
لكن الجو بارد جدا لا تتحمل قسوته الفتاتان
الشرطي نظر إلى الفتاتين و لم يعلق.
فقال آخر
ابقوا حيث الآخرين
قلت بإصرار
ستموتان بردا!
ثم أضفت
هل تعتقدون أننا سنهرب سأعطيك مفتاح السيارة لتتأكد
و أدخلت يدي في جيبي و استخرجت مفاتيحي و مددتها إليه...
الشرطي تبادل النظرة مع زملائه ثم هم بأخذ المفاتيح بما احتواها.
لقد كانت المفاتيح مضمومة في ميدالية أهدتني إياها رغد ليلة العيد.. انتزعت مفتاح السيارة من بينها و قدمته إلى الشرطي و احتفظت بالميدالية و بقية المفاتيح.
حين أعطيته المفتاح سمح لنا بالتوجه إلى السيارة.
عندما فتحت الباب الأمامي الأيمن وقفت الفتاتان عنده تنظران إلى بعضهما البعض ثم تنحت رغد جانبا سامحة لدانة بالدخول .. و فتحت هي الباب الخلفي .
حينما جلسنا في السيارة أخذنا الصمت فترة طويلة.. و بدأت أجسادنا تسترد شيئا من دفئها المفقود...
لم يكن أحدنا يعرف كيف يفكر كنا فقط في حالة ذهول و عدم تصديق .. منتظرين ما يخبئه لنا القدر خلف ظلام الليل..
أسندنا رؤوسنا إلى المقاعد علها تمتص شيئا من الشحنات المتعاركة في داخلها..
و من حين لآخر ألقي نظرة على الفتاتين أطمئن عليهما..
رغد اضطجعت على المقاعد الخلفية و ربما غلبها النوم...
أطل من خلال النافذة على السماء فأرى خيوط الفجر تتسلل خلسة.. فيلقي الله في نفسي ذكره..
الصلاة
قلت ذلك و الټفت إلى دانة التي تجلس إلى جواري ملقية بثقل رأسها على مسند المقعد. نظرت إلي ثم أغمضت عينيها.
أما رغد فلم تتحرك.
نظرت إلى الناس فوجدت بعضهم يركعون و يسجدون..على الرمال
قلت
سأذهب لأصلي
فتحت عينيها مجددا ثم أغمضتهما.
توخيا الحذر دقائق و أعود
و مددت يدي إلى مقبض الباب ففتحته و خرجت.. أغلقت الباب و مشيت بضع خطى مبتعدا قبل أن أسمع صوب باب ينفتح بسرعة و أسمع من يناديني..
وليد
الټفت إليها فرأيتها تخرج من السيارة مسرعة تقصدني
أتيت إليها فأبصرت في وجهها الفزع المهول
إلى أين تذهب
قالت لاهثة فأجبت مطمئنا
سأصلي مع الناس
و أشرت إلى الطرف الآخر من الشارع حيث المصلين..
رغد هتفت بسرعة
لا تذهب
قلت
سأصلي و أعود مباشرة
لا تذهب ! لا تتركني وحدي
قلت مطمئنا
دانة معك لحظة فقط
رغد حركت رأسها اعتراضا و إصرارا و هي تقول
لا تذهب .. ألا يكفي ما نحن فيه لا تبتعد وليد أرجوك
لم أستطع إلا أن أعود أدراجي و أتيمم و أؤدي الصلاة ملتصقا بالسيارة.
ما إن فرغت من ذلك حتى سمعنا ضجيجا يقتحم السماء..
نظرنا جميعنا إلى الأعلى فأبصرنا طائرة تخترق سكون الفجر...
صړخ بعض الموجودين
قنابل !
و هنا .. بدأ الناس يتصايحون و ېصرخون و يركضون فارين .. محدثين ضجة و جلبة شديدين..
رأيتهم جميعا يجرون على الشارع مبتعدين.. فتحت بابي السيارة بسرعة و هتفت
هيا بنا
و أمسكت بيدي الفتاتين و جررتهما ليركضا معي بأسرع ما أوتينا من قوة..
أركضا.. أركضا بسرعة
اقتحمنا أفواج الهاربين الصارخين المستصرخين .. هذا يدفع هذا و هذا يسحب هذا و ذاك يصطدم بالآخر .. و آخر يدوس على غيره.. و الحابل مختلط بالنابل..
نحن نركض و نركض دون التعقيب.. دون أي التفات إلي الوراء.. و دوي الطائرة يعلو سماءنا.. و يجلجل أرضنا المهتزة تحت أقدامنا الراكضة..الحافية.. أسمع صړاخا من كل ناحية.. أسمع صړاخ دانة و رغد.. و صړاخي أنا أيضا.. و أشد قبضي عليهما و أطلق ساقي للريح..
يتعثر من يتعثر.. ينزلق من ينزلق.. يتدحرج من يتدحرج.. يقع من يقع و ينكسر ما ينكسر و يداس ما يداس.. لا شيء يستدعيني لأوقف انجراف رجلي .. أسابق الزمن.. و أكاد أسبقه ..
كان ذلك من أشد الأوقات هولا و فظاعة.. لن يفوقهما شدة
متابعة القراءة