انت لي ٦
السيدة الأخرى فعادت تشير إلى ناحية الحمام
من هنا ..
ذهبت دانة إلى دورة المياه و السيدة استأذنت و غادرت لدقائق.. و بقيت أنا متهالكة على المقعد و وليد واقف إلى جواري..
قال
أأنت بخير صغيرتي
لا ! كيف لي أن أكون بخير إنني في حال من أسوأ الأحوال التي مرت علي ... بدأت بالبكاء إلا أن دموعا لم تخرج من عيني ...
وليد جلس بقربي و قال
ستكونين بخير.. نجونا من المۏت .. الحمد لله
شعرت لحظتها برغبة في الارتماء في حضنه.. و البكاء على صدره.. و الاسترخاء بين ذراعيه.. أنا متعبة و أتألم.. أريد من يواسيني و يشجعني.. أريد حضنا يشملني و يدا تربت علي.. أريد أمي.. أريد أبي.. أريد وليد.. و لم أنل منه غير نظرات مشجعة..
أقبلت السيدة تحمل معها وشاحين.. قدمتهما إلي..
نزعت عن رأسي ما كنت أتحجب به و لففت أحد الوشاحين حول رأسي على مرأى من وليد ... !
و عندما عادت دانة و قد غسلت وجهها و قدميها الحافيتين أعطيتها الوشاح الآخر...
قالت
تعالي لأغسل چرحك رغد...
و أيضا لم أتحرك .. ففوق تعبي و إعيائي و الدوار الذي أشعر به.. أنا خائڤة..
نعم خائڤة..
السيدة قامت بنفسها بإحضار وعاء يحوي ماء .. و وضعته عند قدمي و قالت
هل أساعدك
دانة قالت
شكرا لك سأفعل ذلك
ثم أخذت تحل الضماد و الذي هو عبارة عن كم قميص وليد من حول قدمي .. و غمرتها بعد ذلك في الماء النظيف الدافئ..
بدأت الأوجاع تتفاقم و تتزايد.. و أخذت أئن و أصيح .. لكنني لم أقاوم.. و استسلمت لما فعلته دانة بقدمي.. و أنا مغمضة العينين..
عندما فتحتهما كانت قد انتهت من لف قدمي بالضماد ... كما أن السيدة أحضرت ماءا نظيفا لأغسل قدمي الأخرى...
كل هذا و أنا ملتزمة الصمت و السكون إلا عن أنات و صياح ألم..
و الآن جاءت الفتاة تحمل صينية ملآى بالشطائر بينما يتبعها العجوز حاملا صينية أخرى رصت علب العصير الورقية فوقها...
و وضعا الطعام و الشراب أمامنا و الفتاة تقول
تفضلوا هذا لحين نضج الحساء
لم يمد أحدنا يده.. ما الذي يجعلنا نفكر بالطعام في وقت كهذا فراح أصحاب المنزل يحثوننا على الطعام..
وليد تناول اثنتين من علب العصير و قدمهما لي و لدانة فأخذت علبتي و شربت ما بها ببطء...
أصحاب المنزل الثلاثة استأذنوا منصرفين عنا ربما لنتصرف بحرية أكبر..
وليد أيضا وزع الشطائر علينا إلا أنني رفضت تناولها..
خذي يا رغد.. لابد أنك جائعة جدا.. كلي واحدة على الأقل
لا أريد
هيا أرجوك .. ستموتين إن بقيت بلا طعام ساعة بعد
و لم يفلح في إقناعي.. لكنه و دانة تناولا شيئا من الطعام بصمت..
لحظات و إذا بالفتاة تقبل بأقداح الحساء الساخن.. و تقدمها إلينا ثم تنصرف..
أجبرت نفسي على رشف ملعقتين من الحساء.. ثم أسندت رأسي إلى المقعد و أغمضت عيني..
كنت أسمع أصوات الملاعق .. و حركة الأواني .. و ربما حتى صوت بلعهما للطعام و هضم معدتيهما له ! و أسمع كذلك صوت نبضي يطن في أذني.. و أنفاسي تنحشر في أنفي.. و الآن .. صوت وليد يناديني ..
رغد
فتحت عيني فوجدته ينظر إلي بقلق.. و يعيد السؤال
أأنت بخير
قلت
أنا متعبة
قال
سأتحدث معهم ..
ثم نهض و نادى
أيها العم الطيب ..
ظهر الثلاثة من حيث كانوا يختبئون عنا ..
قال وليد
اعذرونا رجاء .. إننا في غاية التعب فقد قضينا ساعات طويلة نسير في الخلاء.. أين يمكننا المبيت بعد إذنكم
قالت السيدة
ستنام ابنتي معي في غرفتي و يمكن للفتاتين المبيت في غرفتها.. سنعد فراشا أرضيا إضافيا
و قال العجوز مخاطبا وليد
و أنت غرفتك كما هي
قال وليد
هذا جيد ...
ثم أضاف
أشكركم جميعا جزيل الشكر.. إنني ...
و مرة أخرى قاطعته السيدة و قالت
لا داعي لكل ذلك يا سيد وليد ألم نكن كالعائلة جميعكم أبنائي..
ثم أضافت مخاطبة الفتاة
خذي الفتاتين إلى غرفتك
الفتاة أقبلت نحونا و هي تبتسم و تقول
تفضلا معي ..
كلانا نظرت إلى وليد بتردد.. فقال الأخير
هيا عزيزتاي
و هز رأسه مطمئنا.. يبدو أنه على علاقة وطيدة بهم.. و يثق بهم كثيرا..
وقفت دانة و وقفت معها .. ثم قلت لوليد
و أنت
قال
سأبات في غرفة في الخارج تابعة للمنزل
هززت رأسي اعتراضا شديدا ... مستحيل ! و عوضا عن مرافقة الفتاة اقتربت منه هو و قلت
لن تذهب و تتركنا
قال
إنها غرفة خارجية اعتدت المبيت فيها.. ملاصقة للمنزل تماما
هززت رأسي بإصرار أشد
لا .. لا
وليد نظر إلي بضيق و تعب و أسى .. كأنه يرجوني أن أطلق سراحه و أدعه يرتاح قليلا..
قال
ستكونين بخير.. هذه عائلتي
إلا أنني ازددت إصرارا و رفضا و قلت
سأذهب معك
وليد و دانة تبادلا النظرات .. و لم يعرف أي منهما ما يقول..
مددت يدي فأمسكت بيده مؤكدة أكثر و أكثر بأنني لن أسمح له بالابتعاد عني..
أخيرا تكلم وليد مخاطبا أصحاب المنزل
إن لم يكن في ذلك ما يزعجكم .. فسنبيت في الغرفة الخارجية نحن الثلاثة.. و نحن آسفون لكل ما سببناه لكم من إزعاج ..
العجوز تكلم و قال
كما تشاءون يا بني.. سأجلب المزيد من الفرش و البطانيات لكم
و تحرك الثلاثة و أحضروا البطانيات و حملوها سائرين نحو الباب و سرنا معهم إلى خارج المنزل ..
كانت الغرفة المقصودة هي غرفة تابعة للمنزل مفصولة عنه بجدار مشترك.. و كانت صغيرة نسبيا و بداخلها سرير صغير و أثاث بسيط و تتبعها دورة مياه صغيرة قريبة من الباب..
الثلاثة و معهم وليد تعاونوا في تحضير فراشين أرضيين على المساحة الحرة من الغرفة.. و حالما انتهوا قال العجوز ..
أتمنى لكم نوما هانئا
و عقبت السيدة
تصبحون على خير
أما الفتاة فقد أسرعت بالذهاب ثم العودة بصينية الشطائر و بعض العصائر .. و وضعتها على المنضدة الصغيرة التابعة لأثاث الغرفة و هي تقول
فيم لو احتجتم أي شيء فلا تترددوا في طلبه !
وليد قال
شكرا جزيلا..هل نستطيع استخدام الهاتف
قال العجوز
بكل تأكيد..
فشكرهم كثيرا و كذلك فعلت دانة ثم انصرفوا ...
و فور خروجهم أقفل وليد الباب و أقبل إلى الهاتف .. و اتصل بأحد الأرقام .. و كان أول ما نطق به بعدها و بلهفة شديدة
سامر يا عزيزي .. أأنت بخير