انت لي٩

موقع أيام نيوز

على الأقل ... إلى أن تحصل على شهادة جامعية و تكبر بضع سنين... 
تعجبت أم حسام... لكنني تابعت 
و يكبر حسام و يصبح رجلا راشدا مسؤولا 
و هل تراه صبيا الآن ! 
لم أتردد في الإجابة ... قلت مباشرة 
نعم ! 
و لأنها استاءت و هزت رأسها استنكارا أضفت 
يا خالتي... أنا اعتبر الاثنين مجرد مراهقين... فالفرق بينهما لا يبلغ العامين... و إذا كان في وجودها هنا حرج على أحد فأنا سآخذها معي و أدبر أمورها بشكل أو بآخر... 
عند هذا الحد انتهى حوارنا إذ أن البوابة قد فتحت و أقبل الاثنان يسيران جنبا إلى جنب...
الناظر إليهما يفكر في أنهما خطيبان منسجمان متلائمان مع بعضهما البعض... و كان يبدو عليهما المرح و البسمة لم تفارق شفاههما منذ أطلا من البوابة...
هذا المنظر أوجعني كثيرا... لو تعلمون...
أقبل الاثنان يرحبان بي بمرح... و كان جليا عليهما السرور... و لا أظن أن السرور كان بسبب قدومي... بل بسبب آخر أجهله للأسف...
رغد كانت مبتهجة جدا... و كانت فترة طويلة قد مضت مذ قابلتها آخر مرة... و فيما أنا هناك أتحرق شوقا إليها و قلقا عليها تقضي هي الوقت في المرح مع ابن خالتها هذا...
و شتان بين البهجة التي أراها منفتحة على وجهها الآن و بين الكآبة و الضيق اللذين لطالما رافقاها و هي تحت رعايتي... الشهور الماضية...
تبدين في حالة ممتازة... واضح أن خالتك و عائلتها يعتنون بك جيدا 
قلت متظاهرا بالبرود و العدم الاكتراث
ابتسمت هي و قالت 
بالطبع 
أما حسام فضحك و قال 
و ندللها كثيرا و نضع رغباتها ڼصب أعيننا ! إنها سيدة هذا المنزل ! 
رغد نظرت إليه و قالت بمرح 
لا تبالغ ! 
قال مؤكدا 
بل أنت كذلك و ستظلين دائما كذلك ! 
فيما بعد... تناولت القهوة مع حسام في المجلس... و رأيتها فرصة متاحة أمامي فسألته عن خططه المستقبلية و تطلعاته للغد... فوجدته للحق شابا طموحا متحمسا متفائلا بالرغم من طبعه المرح....
كنت حريصا على أن أعرف... إلى أي مدى كانت فكرة الزواج من رغد... لا تزال تسكن رأسه...
سألته 
و ... ماذا بشأن الزواج 
حسام ابتسم و قال 
إنه أول ما أطمح إليه... و آمل تحقيقه 
قلت 
و ... هل أنت مستعد له 
تهللت أسارير حسام و كأنه فهم مني إشارة إلى موضوعه القديم... فقال فرحا
للخطوبة على الأقل... لا شيء يمنع ذلك 
و انتظر مني التأييد أو حتى الاعتراض غير أنني بقيت صامتا دون أي تعليق... مما أثار فضول حسام الملح و دفعه للسؤال المباشر
ألديك مانع 
قلت متظاهرا بعدم الاكتراث 
عن أي شيء 
عن... الخطوبة... في الوقت الراهن... 
إذن... فأنت متلهف للزواج من ابنة عمي 
تجاهلت سؤاله وأنا أحترق في داخلي... و أفكر في الرسالة الهامة التي يجب أن تصل إلى هذا الشاب المندفع حتى يتوقف عن التفكير برغد...
حسام لما رأى صمتي قد طال عاد يسأل 
هل توافق على خطوبتنا الآن 
نظرت إليه بحدقتين ضيقتين ضيق صدري المثقل بشتى الهموم... ثم هززت رأسي اعتراضا... 
شيء من الحيرة و الضيق علا وجه حسام الذي قال
لماذا 
الجد طغى على وجهي و أنا أقول أخيرا 
اسمعني يا حسام... فكرة الزواج التي تدور في رأسك هذه استبعدها نهائيا خلال السنوات المقبلة... لأنني لن أوافق على تزويج ابنة عمي قبل أن ألحقها بإحدى الجامعات... و تحصل على شهادة جامعية... لا تطرح الموضوع ثانية... قبل ذلك... هل هذا واضح 
ستذهب بهذه السرعة 
سألته و نحن نسير باتجاه البوابة و هو في طريقه للمغادرة بعد زيارته القصيرة لنا... بالرغم من طول الزمن الذي قضاه بعيدا عني...
وليد كان منزعجا جدا أو ربما متعبا من السفر... لم يكن على سجيته هذا اليوم...
إنني مرهق جدا و بحاجة للراحة الآن... لكني سأعود قريبا يا رغد 
قلت بشيء من التردد 
لم لا تقضي الليلة هنا سيرحب الجميع بذلك 
لا شك عندي في كرم العائلة و لكني لا أريد أن أثقل عليهم ... ألا يكفي أنهم يعتنون بك منذ زمن 
لا تظن أن العناية بي تضايقهم يا وليد... إنهم يحبونني كثيرا 
أعر ف ذلك 
وليد ألقى علي نظرة مبهمة المعنى ثم أضاف 
و أنت مرتاحة لوجودك بينهم ... 
قلت متأكدة 
لأقصى حد 
وليد تنهد بضيق و قال 
لكن الفترة طالت يا رغد... أما اكتفيت 
نظرت إليه بتعجب ... جاهلة ما المقصود من كلامه... فأوضح 
تعرفين أنني أبقيتك هنا بناء على رغبتك و إصرارك... من أجل راحتك أنت ... لكنني غير مرتاح لهذا يا رغد... 
و بدا عليه الأسى و قلة الحيلة...
لماذا 
سألته فأجاب 
أنا لا أشعر بالراحة عندما لا تكونين تحت رعايتي مباشرة... إنني المسؤول عنك و أريد أن أتحمل مسؤوليتي كاملة... يجب أن تكوني معي أنا... ولي أمرك 
قلت مباشرة 
لكنني لا أريد العودة إلى المزرعة... أرجوك يا وليد لا ترغمني على ذلك 
و يظهر أن جملتي هذه أزعجته بالقدر الذي جعله يتوقف بعصبية يزداد ضيقا و يقول 
أنا أرغمك رغد ماذا تظنينني عندما أخذتك للمزرعة لم يكن لدي المال لأوفر لك سكنا يناسبك... و عندما أخذتك للمدينة الساحلية لم أكن أعلم كم من الوقت سأمضي هناك و لم أشأ تركك بعيدة عني... و ها أنا قد تركتك بعيدة كل هذا الوقت تنفيذا لرغبتك أنت... و تقديرا لشعورك أنت ... فهل لا قدرت شعوري أنا بالمسؤولية و لو لبعض الوقت 
الطريقة التي كان يخاطبني بها دقت في رأسي أجراس التنبيه... وليد لم يتحدث معي كهذا مسبقا... بقيت كلماته ترن في رأسي لفترة
بعدها قلت برجاء 
لا أريد العودة إلى المزرعة ... أرجوك... افهمني 
تنهد وليد تنهيدة تعب و قال 
لن آخذك إليها ما لم ترغبي في ذلك... و لكن... عندما أعود إلى المدينة الساحلية... يجب أن تأتي معي 
نظرت إلى الأرض مذعنة ... دون أن أتحدث...
اتفقنا 
قلت باستسلام 
نعم 
تنهد وليد بارتياح هذه المرة... و قال 
هذا جيد 
ألقيت نظرة عليه فرأيت في عينيه بعض الامتنان... لكن التعب كان طاغ على قسمات وجهه... و مزيج من الضيق و القلق كان يتسلل من بؤبؤيه...
تنفس بعمق ثم قال 
و مرة أخرى يا رغد... إذا احتجت لأي شيء فأبلغيني أنا... و ... رجاء يا رغد... رجاء... لا تخرجي ثانية مع حسام بمفردكما 
أثارتني الجملة و تعلقت عيناي بعينيه في استغراب... ما الذي يظنه وليد و ما الذي يفكر به 
قلت مبررة 
لقد أوصلني إلى الصالون و... 
بترت جملتي ثم قلت 
لماذا 
وليد قال بضيق شديد 
أرجوك يا رغد... حتى و إن كان ابن خالتك المقرب... يبقى رجلا
غير محرم لك... لا أريدك أن تتحدثي أو تضحكي أو تخرجي معه بهذه الحرية...

تم نسخ الرابط