انت لي٩
المحتويات
رغد...
عدت إليها فوجدتها لا تزال عند نفس الموضع و على نفس الوضع...
اقتربت منها و مددت إليها بالظرف قائلا
احتفظي بهذا لك
سألتني
ما هذا
إنها بعض النقود... انفقي منها كيفما شئت و إذا ما نفذت فابلغيني
رغد طأطأت برأسها و نظراتها ربما حرجا ... فهي المرة الأولى التي أقدم فيها إليها ظرفا ماليا...
تفضلي يا رغد
و لكنها لم تبادر بأخذه !
قلت مازحا
هيا صغيرتي ! لا يجب أن تشعر الفتاة بالخجل من أبيها !
هنا نظرت إلي رغد بسرعة و المزيج المرتسم على وجهها حاو على الدهشة و الضحك و الاستنكار معا !
تشجعت و مدت يدها أخيرا و أخذت الظرف !
ابتسمت مشجعا و قلت
اتصلي بي إذا احتجت المزيد ... و لا تنتظري شيئا من الآخرين أو تعتمدي عليهم ... أتعدين بذلك يا رغد
هزت رأسها إيجابا ...
و وضعت الظرف داخل الكيس... و استدارت متابعة طريقها نحو المنزل...
و هي تبتعد... و أنا أشعر بأشياء تتمزق في داخلي... أشعر بأن حزمة كبيرة من الأعصاب الحسية كانت تربط فيما بيننا... و مع ابتعادها أخذت تتقطع عصبا عصبا ... و تحدث في قلبي ألما فظيعا مهلكا...
كيف أطاعني قلبي...
مددت يدي محاولا الإمساك بذرات الهواء التي تبعتها... و عادت إلي يدي خالية الوفاض...
هتفت
رغد ...
توقفت و استدارت نحوي... فحال الظلام دون رؤية عينيها...
أو ربما حال دون ذلك... عبرة ولدت للتو... من أعماق عيني...
حملت الحقيبتين و أقبلت نحوها فلما صرت قربها قلت
اعتني بنفسك جيدا ... يا صغيرتي...
رغد... ربما تفهمت قلقي و رأت في وجهي ما لم نستطع لا أنا و لا الظلام إن نخفيه...
ابتسمت و قالت مطمئنة
اطمئن يا وليد... سأكون بخير... وسط أهلي
و هبطت ببصرها للأسفل و نظرت إلى الكيس الذي كانت تحمله مشيرة إلى ظرف النقود و أضافت بصوت خاڤت كالهمس
شكرا... بابا وليد !!
ثم استدارت و أسرعت نحو الداخل !
آه يا رغد !
أتسخرين مني
ليتك تعلمين كيف أشعر تجاهك... !
آه لو تعلمين !
فيما بعد... و نحن نهم بالمغادرة... وجهت كلامي لأم حسام موصيا
أرجو أن... تعتنوا برغد جيدا... و إن احتجتم لأي شيء فأبلغوني
لا داع لأن توصيني بابنتي يا وليد... سافر مطمئنا في أمان الله
شكرا يا خالتي... سأعود قريبا... أرجوك... ارعي الصغيرة جيدا باركك الله
الجميع بدأ يتبادل النظرات إن سرا أو علنا... إن تضامنا أو استنكارا...
و لكنني واصلت سرد وصاياي حتى آخر لحظة
بعد ذلك... و أنا أغادر البوابة الخارجية ألقيت النظرة الأخيرة على رغد...
و قلت أخيرا
أستودعك من لا تضيع ودائعه...
لم يظهر على وليد أنه عازم أصلا على الرحيل!
و ربما لو ترك الأمر له وحده لجعلنا نبات في ذلك المنزل أو نقضي بضعة أيام في المدينة قرب رغد!
اهتمامه الزائد بها يثير انزعاجي... وقد أصبحت أشعر بها و كأنها شريكة لي في وليد... و هو أمر لا احتمل التفكير به فضلا عن حدوثه...
أخبرني بعد ذلك بأنه قد دفع إليها بجزء من النقود التي أخذها من الخزانة و بدا و أن رغد ستشاركني أيضا في ثروتي ...
بالنسبة لي فقد أعطيت وليد مطلق الحرية في التصرف بالنقود و الممتلكات...
وليد كان قد أخبرني مسبقا بأنه كان في الماضي يحلم بأن يصبح رجل أعمال مثل والده رحمه الله و أن دخوله السچن قد غير مجرى حياته... و الآن... و بقدرة قادر... تحقق الحلم !
لمست تغيرا كبيرا و رائعا على وليد و نفسيته ... أصبح أكثر سعادة و إقبالا على الحياة بروح متفائلة مرحة... و رغم أن الساعات التي صار يقضيها في العمل و الدراسة قد تضاعفت وجدنا الوقت الكافي و المناسب جدا لنعيش حياتنا و نستمتع بخطوبتنا التي ما كندنا نهنأ بها... في وجود ورغد !
و بالرغم من أنها ابتعدت أخيرا... ظل اسم رغد و ذكرها يتردد على لسان وليد يوميا في المزرعة... و كانت هي من يكدر صفو مزاجه... و يثير قلقه... و ما فتئ يهاتفها هي و أهلها من حين لآخر و يمطرهم بالوصايا حتى بدأت أشعر أنا بالضيق !
لكني مع ذلك أحسست بالفخر... بأن يكون لي زوج يعرف معنى المسؤولية و يقدرها جل تقدير...
بعد شقائي و عنائي الكبير و حرماني من أبي و قسۏة الحياة علي كل تلك السنين... وهبني الله نعمتين عظيمتين يستحيل أن أفرط بأي مهما كان السبب...
وليد الحبيب... و الثروة الضخمة...
و لم يبق أمامنا إلا أن نتم زواجنا و نبهج قلوب أهلنا و نواصل معا مشوار الحياة الزوجية السعيدة... بإذن الله
مرت أيام مذ وصلنا إلى المدينة الزراعية الشمالية... و بدأت بتنفيذ الخطط التي رسمتها خلال الأيام الماضية...
وظفت المزيد من العمال من أجل العناية بالمزرعة و محصولها و نظمت برنامجا خاصا للإشراف عليها
في كل صباح تقريبا كنت أتصل بمنزل أبي حسام و أتحدث إلى رغد و أطمئن على أحوالها... و من خلال نبرة صوتها استنتج أنها مرتاحة و بخير...
و بالرغم من ذلك كنت لا أتوقف عن التفكير فيها ساعة واحدة...
أجرينا بعض الإصلاحات في المنزل الصغير و جددنا بعض الأثاث...
انشغلت كثيرا بأعمال متعددة ما جعل الأيام تمضي... و الفراق يطول... و الشوق يزداد...
و بدأت أشعر بالحرج من اتصالي المتكرر لمنزل أبي حسام و طالبت رغد بأن تهاتفني كل يومين على الأقل لكنها لم تكن تفعل إلا قليلا...
أما عن أروى فقد كانت مهووسة بفكرة الزواج التي ما فتئت هي و الخالة ليندا تلاحقاني بها حتى ضقت ذرعا...
و لمرة أخرى أصيبت الخالة بانتكاسة صحية و نقلناها للمستشفى... الأمر الذي أجل سفري لفترة أطول...
ذات يوم اتصلت بمنزل أبي حسام بعد أن تملكتني الهواجس للحديث مع صغيرتي البعيدة...
إن شمسا تشرق و تغرب دون أن تريني إياها هي ليست شمسا... و إن قمرا يسهر في كبد السماء دون أن يعكس صورتها... هو ليس قمرا...
و إن يوما يمر ... دون أن اطمئن عليها... هو ليس محسوبا من أيام حياتي...
مرحبا...أنا وليد
نعم عرفتك... مرحبا... لكن رغد ليست هنا الآن
كان هذا حسام و كان يتحدث بضيق أشعرني بالخجل من نفسي...
إلى أين ذهبت
لزيارة بعض المعارف فهل تريد أن أبلغها شيئا
أبلغها أنني انتظر اتصالها لو سمحت... و عذرا على الإزعاج
و انتظرت طويلا حتى انتصف الليل و لم تتصل... فبت أبث للقمر همي... و أصبحت أعرب للشمس عن نيتي للذهاب إليها اليوم مهما كان...
نهضت عن فراشي باكرا و خرجت إلى المزرعة راغبا في استنشاق بعض الهواء المنعش... ذاك الذي يطرد من الصدر الهموم المكبوتة...
هناك... وجدت العم إلياس و أروى يحرثان الأرض... اقتربت منهما و هتفت محييا
صباح الخير
الټفتا إلي باسمين و ردا التحية ... قلت مستغربا مستنكرا
ما الذي تفعلانه ! انتظرا حضور العمال
العم إلياس قال
في الحركة بركة يا بني
الوقت باكر... دعا مهمة حرث الأرض الشاقة
متابعة القراءة