انت لي ٥
المحتويات
هم على ما يبدو كرماء !
تفضل يا بني ... طعام خفيف لحين موعد العشاء
دهشت ! قلت
العشاء !
نعم .. فأنت ستتناول عشاءك معنا هذه الليلة
أوه كلا ... إنني ... إنني سأنصرف بعد قليل
و أصر العجوز على استضافتي ليس فقط على العشاء بل و للمبيت عندهم هذه الليلة !
العشاء كان لذيذا جدا علمت أن الفتاة هي التي أعدته ! كما علمت أن حالة السيدة قد تحسنت كثيرا و لذا فإنها و ابنتها كذلك شاركتانا الجلسة و الأحاديث بعد الوجبة .
الثلاثة يبدون متشابهين في المظهر ! جميعهم من السلالة الشقراء !
السيدة كانت تمطرني بالأسئلة عن نديم و ما حصل معه و أنا أحاول الإجابة بالقليل الذي لا يسبب لها انتكاسة إلا أنها مع ذلك أخذت تبكي و تبعتها ابنتها ...
قالت الابنة بانفعال و هي لا تملك منع نفسها عن البكاء
أرجوك يا أمي توقفي عن البكاء ... كنت تعرفين أنه لن يعود ... جميعنا نعلم أنهم و لا شك قتلوه ... الظلمة القساة الحقرة ... الأوغاد المچرمون ... احرقهم يا رب جميعا ... انتقم منهم فأنت العزيز ذو الاڼتقام ... و افعل بهم ما فعلوه بنا ... و أفظع
أما أنا فقد كنت أردد دعوتها عليهم في صدري ...
يا رب انتقم منهم جميعا ...
عاد بي شريط الذكريات إلى سنين السچن ... و عذاب السچن ... و الزنزانة ... و الطعام الرديء ... و الأسرة المهترئة ... و الحشرات ! ... و الرائحة العفنة ... التي اختزنت في ذاكرة أنفي ! أكاد أشمها !
رفعت يدي إلى أنفي كمن يريد منع رائحة كريهة من التسلل إلى تجويف أنفه فلامست أصابعي الحفرة الصغيرة التي تركها السچن علامة عليه ... شعرت بڼار تتأجج في صدري ... ڼار كنت أخالها قد خمدت بعد هذه الشهور التي قضيتها خارج السچن ... إلا أنني ... و أنا أرى المناحة و البؤس و الدموع المنسكبة من أعين الأرملة و اليتيمة ... و أتذكر نديم و هو يحتضر ... و الكدمات و الچروح التي كانت تغطي جسمه أكثر من شعيرات جلده ... عقدت العزم على ألا تواتيني فرصة للنيل منهم إلا و اقتنصتها ...
و من خلال الساعات التي قضيتها في تبادل الأحاديث معهم شعرت بقربي لهم و قربهم مني ... و كأنني وسط عائلتي و كأنني أعرفهن من سنين ...
لقد ألفت هذه العائلة و أحببتها في الله !
في اليوم التالي و رغم أنني نمت باكرا كما نامت العائلة استيقظت قرابة الساعة الحادية عشرة ...
كنت قد نمت في غرفة صغيرة في الطابق السفلي للمنزل مفترشا فراشا أرضيا بسيطا و ملتحفا ببطانية ثقيلة .
على الأقل وفرت كلفة ليلة واحدة كنت سأبيتها في فندق أو ما شابه ...
نهضت و خرجت من الغرفة و أنا أتنحنح ...
بعد قليل كنت أقف في الصالة الرئيسية وحيدا تلفت من حولي فلم أشعر بأي حركة توحي بوجود كائن حي على مقربة مني !
مضيت نحو المخرج و خرجت من المنزل راغبا في استنشاق الهواء العليل العابق برائحة الأشجار و الزهور ...
كم كان منعشا و باعثا للنشاط !
أخذت أتجول سيرا حول المنزل و في ممرات المزرعة ... و أتأمل الجمال الطبيعي من حولي و أستمع إلى غناء العصافير و أشاهد استعراضاتها الجميلة في السماء ...
المكان كان غاية في الروعة ... و أي امرئ يقضي هنا سويعات معدودة لا شك أنه سيخرج بنفس مبتهجة و نفسية مرتاحة !
فيما أنا أسير ... وجدت السيدة و الفتاة على مقربة ...
كانتا ترتديان ملابس سوداء ... ربما حدادا على تأكيد مۏت نديم رحمه الله ... و كانتا تسحبان صناديق مليئة بالثمار ... تجرانها جرا ... إلى حيث تقف سيارة حوض زرقاء يعلو حوضها الرجل العجوز و يقوم بترتيب صناديق الثمار المكشوفة التي ترفعها السيدة و الفتاة متعاونتين و تضعانها في الحوض .
تفعلان ذلك ثم تعودان لجر المزيد من الصناديق ...
اقتربت من السيارة و ألقيت التحية على العجوز المنهمك في ترتيب الصناديق و يبدو أنه لم يسمع !
تبعت السيدتين إلى حيث وجدت مجموعة من الصناديق المليئة بالثمار تنتظر دورها للشحن في السيارة ...
و هاهما تسيران نحوي و تجر كل واحدة منهما صندوقا جديدا ...
ص باح الخير
حييتهما فتركتا الصندوقين و ردتا التحية ثم قالت السيدة
هل نمت جيدا أتمنى ألا يكون الفراش قد أتعبك
قلت
على العكس ... نمت بعمق ... شكرا لكم جميعا
السيدة قالت مخاطبة ابنتها
أروى اذهبي و أعدي الفطور لضيفنا
الفتاة نظرت إلى الصندوق ثم إلى أمها و قالت
حسنا
و همت بالذهاب ...
أنا قلت
شكرا لكن لا داعي لذلك ... لا أشعر بالجوع الآن
قالت السيدة
بلى ! سيكون فطورك جاهزا خلال دقائق و معذرة فأخي مشغول الآن لكن تصرف بحرية
ثم التفتت إلى الفتاة و قالت
هيا أروى
الفتاة ذهبت في طريقها إلى المنزل ... و السيدة تابعت سحب صندوقها ...
سرت أنا نحو الصندوق الآخر و حملته و نقلته إلى حوض السيارة ... فيما هي لا تزال تجر صندوقها !
الآن انتبه العجوز إلي !
صباح الخير أيها العم
أوه ! شاكر ... نهضت إذن ! لابد أنك كنت متعبا جدا ! صباح الخير
وضعت الصندوق في السيارة و قلت
كنت لكنني الآن بحالة ممتازة و الحمد لله . شكرا لكم . اسمي وليد أيها العم !
سحب العجوز الصندوق ليصفه بنظام قرب أخوته ثم قال
أجل تذكرت ! وليد . سآخذ هذه إلى السوق أتفضل انتظاري أو مرافقتي
نظرت ناحية السيدة المقبلة تجر الصندوق ثم إلى العجوز و قلت
أفضل مساعدتكم !
ثم بدأت بنقل الصناديق واحدا تلو الآخر ... و طلبت من العجوز أن يطلب من السيدة أن ترتاح فقد عاشت أزمة قلبية يوم أمس !
أقبلت الفتاة بعد ذلك و رأتني أحمل أحد الصناديق ... فتعجبت ! ثم قالت
طعامك جاهز أيها السيد ... تفضل إلى المنزل
و مضت نحو ما تبقى من الصناديق و جرت أحدها ...
وضعت ما بيدي في حوض السيارة و عدت ناحية الصناديق ...
كانت الفتاة تجر صندوقها بجهد ... قلت
دعي الأمر لي سيدتي أستطيع نقلها جميعا وحدي دون عناء
فتركت صندوقها و تنحت جانبا فحملته و نقلته إلى السيارة و سارت هي من بعدي حتى صارت واقفة إلى جوار والدتها ...
انتهيت من مهمتي فشكرني الجميع ثم قالت السيدة الأم
لقد برد فطورك ! أرجوك تفضل لتناوله
شعرت بالخجل و نظرت نحو الأرض بحياء فنادت السيدة على العجوز
إلياس ... تعال لتكرم ضيفنا !
نزل العجوز أرضا و رافقنا نحو المنزل ...
هناك جلست عند المائدة أتناول فطوري الشهي و إلى جانبي العجوز يشرب
متابعة القراءة