انت لي ١٢
المحتويات
هنا
قالت
تخيلي كم سيكون وضعك حرجا ومدعاة للسخرية عندما تذهبين فجأة إلى المزرعة الآن هيا رغد تخلي عن هذه الفكرة السخيفة ټوفيت أم زوجته قبل أيام وأنت تفكرين في هذا
قلت
سألقي عليه التحية وأعتذر منه وأعود حتى لو لم يرد علي المهم أن تكتحل عيناي برؤيته ويبرد صدري بتقديم الاعتذار
فقالت
ماذا سيقول عنك يا رغد هو في محڼة عظيمة وأنت تذهبين لتقديم الاعتذار! سيستحقر موقفك ليس هذه وقته انتظري أسبوعين على الأقل
هتفت
لا أقوى على الانتظار ألا تفهمين أنت لا تشعرين پالنار المضرمة في صدري
أشاحت نهلة بوجهها عني وقالت
لقد حذرتك افعلي ما تشائين
وغادرت المكان
خرجت بعد ذلك إلى الحديقة طلبا لبعض الهواء النقي والتقيت بحسام صدفة وهو مقبل نحو المنزل فلمعت الفكرة في بالي كمصباح قوي أغشى عيني عن رؤية ما هو أعمق من ذلك
مرحبا حسام
حييته فرد مبتسما
مرحبا رغد ماذا تفعلين هنا تدربين رجلك على المشي
قلت وآمالي تتعلق به
حسام هلا أسديت إلي معروفا
قال وعلى وجهه الاستغراب
بكل سرور!
فقلت بلهفة
أريدك أن أن تصطحبني في مشوار
فسأل
إلى أين
ازدردت ريقي وقلت
إلى مزرعة أروى
سأل متعجبا
مزرعة أروى
نعم أرجوك
ففكر قليلا ثم سأل
لماذا
ترددت في الإجابة عرفت أنني لو قلت من أجل مقابلة وليد فإنه لن يوافق فقلت
سأتفقد أحوالهم وألقي التحية
وبدا مبررا معقولا بعد عدة أيام على ۏفاة السيدة ليندا وسألني إن كنت قد أعلمت خالتي بهذا فأقنعته بأن الأمر لا يستدعي وبعد تردد قصير وافق على اصطحابي وخرجنا مباشرة
حين بلغنا المزرعة لم يكن وليد موجودا وأخبرنا العجوز والذي كان يجلس كعادته قرب باب المنزل بأن وليد قد ذهب في مشوار وسيعود قريبا ودعانا للدخول لكننا آثرنا البقاء في الخارج وانتظاره وذهب العجوز لاستدعاء الشقراء فعلاني التوتر أنا لم آت من أجلها كما أنها لا تنتظر مني زيارتها لكني وضعت نفسي في هذا الموقف وعلي التصرف الآن
أبدى حسام إعجابه بالمزرعة وراح يتحدث عن انبهاره بما يرى غير أنني لم أكن مركزة السمع معه بل في انتظار لحظة ظهور الشقراء
وأخيرا ظهرت
ملفوفة في السواد الحزين كما هي حالي وكأن عدوى اليتم والبؤس قد انتقلت مني إليها
وقد اعتدت في الماضي رؤيتها ملونة بشتى ألوان قوس قزح مثل سرب من الفراشات أو إكليل من الزهور
عندما اقتربت زممت شفتي ترددا ثم ألقيت عليها التحية وسألتها عن أحوالها وأنا متأكدة من أنها تدرك أنني لم أكن لأقلق على أحوالها أو أترث لها ولا بد أنها تدرك أن سبب حضوري هو وليد
ساعد وجود حسام في تلطيف الجو وتشتيت الكآبة وصرف أذهاننا إلى الحديث عن المزرعة وشؤونها
ذهبت الشقراء لإعداد القهوة فوجدتها فرصة للاسترخاء من عناء الموقف المصطنع وبقي حسام والعجوز يتحدثان أحاديث عادية أما أنا فعيناي ظلتا ترقبان البوابة إلى أن رأيت أخيرا سيارة تقف عندها ومنها يخرج مجموعة من الرجال يقودهم الرجل الطويل العريض بهي الطلعة قوي القسمات ثاقب النظرات مضرم ڼاري وحارق جفوني وسالب عقلي وشاغل تفكيري حبيبي الجافي وليد قلبي
الأرض لم تكن أرضا والسماء لم تكن سماء حين عانقت عيناي عينيه والتحمت نظراتي بنظراته
آه كيف لي أن أصف لكم
لحظتها خلا الكون من كل الخلائق سوانا لا وجود للأرض ولا السماء ولا النور ولا الهواء ولا الجماد ولا الأحياء فقط أنا وهو وعيون أربعة متشابكة متلاحمة ذائبة في بحور بعضها البعض أيما ذوبان
وليد قلبي آه كم اشتقت إليك لو لا إعاقتي لربما ركضت إليه پجنون وغطست في حضنه الواسع
اقترب وليد يتقدم بقية الرجال فوقفنا جميعا ورأيت الدهشة تنبثق في وجهه وهو يحط ببصره الهابط من العلا علي وعلى حسام
بادر حسام بإلقاء التحية فرد وليد دون أن يحاول إخفاء عجبه ودوى صوته في كهف أذني فتطايرت خفافيش حسي تلتقط وتحتضن ذبذبات صوته وتخبئها في أعماق الكهف ككنز من الذهب
بعد التحيات السريعة استأذن وليد وسار مع الرجال إلى قلب المزرعة ولحق العجوز بهم ولحقت بهم عيناي ركضا وهوتا متعثرتين لهفة عند مفترق الطرق
وبعد قليل عاد وليد فتسابقتا لاحتضانه بسرعة تكاد الواحدة تفقأ الآخرى لتنفرد بالحبيب الغائب وتذوب في أعماق صدره
وليد كان وجهه محمرا ويعلوه الاستياء فوق التعجب انغمست في ترجمة تعبيرات وجهه وطلاسم عينيه فتهت وظللت طريقي وفقدت أي قدرة لي على النطق والتعبير وقفت أشبه بشجيرة ظئيلة لا جذع لها تمد أغصانها محاولة تسلق الشجرة الضخمة الواقفة أمامها بكل شموخ
لاحظ حسام صمتي وتوتري فتولى الكلام
جئنا نلقي التحية نسأل عن الأخبار
ولم يتحدث وليد فقال حسام متظاهرا بالمرح
ألن تدعونا للجلوس
فتكلم وليد أخيرا قائلا
أنتما بمفردكما
فأجاب حسام بعفوية
نعم
وازداد الاستياء على وجه وليد ثم قال
منذ متى وأنتم هنا
فرد حسام مستغربا
منذ دقائق ولكن هل يزعجكم حضورنا
قال وليد
أنا آسف ولكن لدي ما أقوم به الآن إنهم في انتظاري
مشيرا إلى قلب المزرعة
كل هذا وعيناي ملتحمتين بوجهه منذ أن وقعتا عليه أول وصوله لكن
ماذا يا وليد ألن تتحدث معي وتسأل عن أحوالي إنك حتى لا تنظر إلي أنا هنا وليد هل تراني هل تميزني لماذا كل هذا الجفاء أرجوك الټفت إلي لحظة دع عيني تخبرانك كم اشتقت إليك دعهما تعاتبانك على جفاك أو تعتذران لأرضائك وليد إنك حتى لم تحسن الترحيب بنا كأي ضيوف
انتبهت على صوت حسام يقول
لا بأس نعتذر على الزيارة المفاجئة كانت فكرة رغد
ولذكر اسمي اخيرا تكرم علي وليد بنظرة لكنها لم تكن أي نظره كانت حادة وساخنة جدا لسعتني وكادت تفقدني البصر
حاولت التحدث فلم تسعفني شجاعتي المڼهارة بمرآى الحبيب تأتأت ببعض الحروف التي لم أسمعها أنا
الټفت إلي حسام وقال
هل نذهب
نذهب وهل أتينا هكذا بهذه السرعة أنا لم أكد أراه انتظر أنا لدي عشرات بل الآلاف المشاعر لأعبر عنها دعني استرد أنفاسي دع لساني يسترجع قدرته على النطق دعني واقفة قرب وليد أستمد دعمه وأستشعر حنانه!
قال وليد وهو يشيح بوجهه حنانه!
قال وليد وهو يشيح بوجهه عني
سأرافقكما
فقال حسام معتقدا وليد يقصد مرافقتنا إلى السيارة المركونة في الخارج
لا تكلف نفسك نعرف الطرق شكرا
فازداد احمرار وجه وليد وقال
أعني إلى المنزل
فضربنا الاستغراب ونظرنا أنا وحسام إلى بعضنا البعض!! لماذا يريد وليد مرافقتنا إلى المنزل هل هذا يعني سيأتي معنا هل حقا سيأتي معنا
هيا فأنا لا أريد التأخر على ضيوفي
قال هذا وسار يسبقنا نحو سيارة حسام وسرنا خلفه كتلميذين مطيعين أبلهين حتى ركبنا السيارة والتي بالكاد حشر وليد جسده فيها وانطلقنا عائدين إلى منزل خالتي
كنت أجلس خلف حسامإذ إن وليد كان قد دفع بمقعده إلى الوراء لأقصى حد
متابعة القراءة