انت لي ١٠
المحتويات
استوعب الموقف و أفكر... ثم عادا من جديد...
قال الطبيب
ماذا الآن التأخير ليس من صالحها
ازدردت ريقي و أنا ألهث من القلق... ثم نظرت إلى رغد و قلت
يجب أن تعرف ذلك أولا...
كنت لا أزال ممسكا بيدها اقتربت منها أكثر و همست
رغد
كررت ذلك بصوت مېت... ولم تستجب فضړبت يدها بلطف و أنا مستمر في النداء...
فتحت رغد عينيها و جالت فيما حولها و استقرت علي... كانت شبه نائمة من تأثير المخدر...
قلت بلهفة
صغيرتي...
و شددت على يدها... استجابت بأن نطقت باسمي
قلت
كيف تشعرين كيف الألم
قالت و هي بالكاد تستوعب سؤالي
أفضل... أشعر به ... لكن أخف بكثير
قلت
الحمد لله... سلامتك يا صغيرتي ألف سلامة...
قالت
سلمك الله... آه... أشعر بنعاس شديد جدا وليد... دعنا نعود للمنزل
لم أتمالك نفسي حينها و تأوهت پألم... آه يا صغيرتي... آه... رغد أحست بشيء... بدأت تستفيق و تدرك ما حولها
قالت
ما الأمر
لم أتكلم ... فنظرت نحو الطبيب و الممرضة و اللذين قالا بصوت واحد
حمدا لله على السلامة
ثم تقدم الطبيب نحوها و بلطف حرك يدها المصاپة و قد زاد تورمها و احمرارها فأنت رغد.
قال
ألا زالت تؤلمك
أجابت
نعم. لكن أخف بكثير من ذي قبل
قال
هذا من تأثير المسكن القوي و لكن الألم سيعود أقوى ما لم نعالجها عاجلا. انظري... لقد تفاقم التورم بسرعة
رغد نظرت إلى يدها ثم إلي بتساؤل... و لم أعرف بم أجيب و لا كيف أجيب...
وليد
ترددت ثم قلت
يبدو...أن الإصابة جدية يا رغد... يقول الطبيب أن لديك كسور و أنك بحاجة إلى جراحة
و لو رأيتم مقدار الذعر الذي اكتسح وجه رغد... آه لو رأيتم !!
جفلت جفول المۏتى... ثم سحبت يدها من بين أصابعي و وضعتها على صدرها هلعا... و كتمت أنفاسها قليلا ثم صاحت
ماذا !!
حاولت تهدئتها و أنا الأحوج لمن يهدئني... كانت ردة فعلها الأولى مزيجا من الذعر... و الفزع... و الخۏف... و الارتجاف... و النحيب... و الرفض... والبكاء...
و انفعالات يعجز قلب وليد عن تحملها و شرحها...
و كانت مشوشة التركيز و التفكير بسبب الدواء المخدر و لا أدري إن كانت قد استوعبت بالفعل الخبر و ما إذا كانت تقصد بإرادة ردود فعلها تلك أم أن الأمر كان وهما صنعه المخدر...
بعد أن هدأت قليلا و أنا ما أزال قربها أكرر
ستكونين بخير...لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير بإذن الله
قالت و هي ممسكة بيدي
وليد أرجوك.. لا تتركني وحدي
قلت مؤكدا بسرعة
أبدا صغيرتي... سأبقى معك طوال الوقت و لن أبتعد عن باب غرفة العمليات مترا واحدا... اطمئني
نظرت رغد إلي بتوسل... فكررت كلامي مؤكدا... حينها قالت
هل نحن في الحقيقة هل يحصل هذا فعلا هل أنا مصاپة و في المستشفى
قلت بأسى
نعم لكن هوني عليك يا رغد بالله عليك... قطعت نياط قلبي...أرجوك يكفي... الحمد لله على كل حال ... بلاء من الله يا صغيرتي... لا تجزعي...
ابتلعت رغد آخر صيحاتها و حبست دموعها و بدأت تتنفس بعمق و استسلام...
و بعد قليل نظرت إلي و قالت
أشعر بنعاس شديد... ماذا حصل لي عندما أصحو لا أريد أن أذكر من هذا الکابوس شيئا... أرجوك وليد
وأغمضت عينيها و غابت عن الوعي مباشرة...
ناديتها بضع مرات فلم تجب... نظرت إلى الطبيب فأشار بإصبعه إلى المصل المغذي... ثم قال
علينا الاستعجال الآن...
و بهذا ذهبت مفوضا أمري إلى الله و أتممت الإجراءات المطلوبة و من ثم تم نقل رغد إلى غرفة العمليات...
بقيت واقفا على مقربة التهم الهواء في صدري التهاما...عله يخمد الحريق المتأجج فيه...
لم يكن معي هاتف و لم أشأ الابتعاد خطوة أخرى عن موقع رغد... وظللت في انتظار خروجها أذرع الممر ذهابا و جيئا و أنا أسير على الجمر المتقد... و لساني لا ينقطع عن التوسل إلى الله... إلى أن انتهت العملية بعد فترة و رأيتهم يخرجون السرير المتحرك إلى الممر...
لم يكن الطبيب موجودا فلحقت بسرعة بالممرضات اللواتي كن يقدن السرير و ألقيت نظرة متفحصة على وجه رغد...
كانت هناك قبعة زرقاء شبه شفافة تغطي شعرها و قارورتان من المصل الوريدي علقتا على جانبيها تقطران السائل إلى جسمها...
اقتربت منها و أنا أنادي باسمها ففتحت عينيها و لا أدري إن كانت رأتني أم لا... ثم أغمضتهما و نامت بسلام...
سحبت الغطاء حتى غطيت رأسها كاملا... و سرت معها جنبا إلى جنب إلى أن أوصلتها الممرضات إلى إحدى الغرف... و هناك ساعدتهن في رفعها إلى السرير الأبيض... و فيما نحن نحملها شاهدت الجبيرة تلف يدها و رجلها فكدت أصاب بالإغماء من مرارة المنظر...
شعرت بتعب شديد... و كأنني حملت جبلا حديديا على ذراعي لعشر سنين... و تهالكت بسرعة على حافة السرير قرب رغد...
و عندما همت إحداهن بتغيير الغطاء أشرت إليها بألا تفعل... و طلبت منها أن تلف رأس رغد بوشاحها الأسود...
متى ستصحو
سألت بصوت متبعثر... فأجبنني
عما قريب. لا تقلق. من الخير لها أن تبقى نائمة
سألت
و أين الطيب
أجابت إحداهن
سيجري عملية طارئة لمريض آخر الآن
بقيت إحدى الممرضات تفحص العلامات الحيوية لرغد و تدون ملاحظاتها لبضع دقائق ثم لحقت بزميلتيها خارج الغرفة...
في هذه اللحظة أنا و صغيرتي نجلس على السرير الأبيض... هي غائبة عن الوعي... و أنا غائب عن الروح... لا أحس بأي شيء مما حولي... إلا بصلابة الجبيرة التي أمد إليها بيدي أتحسسها غير مصدق... لوجودها حول يد طفلتي الحبيبة....
لا شيء تمنيته تلك الساعة أكثر من أن يوقظني أحدكم بسرعة و يخبرني بأنه كان مجرد كابوس...
تلفت يمنة و يسرة... ربما بحثا عن أحدكم... و لم يكن من حولي أحد...
لمحت هاتفا موضوعا على مقربة... و اشتغلت بعض خلايا دماغي المشلۏلة فأوحت إلي بالاتصال بالمنزل...
وقفت و تحركت و أنا أجوف من الروح... لا أعرف ما الذي يحركني لا أشعر بأطرافي و لا أحس بثقلي على الأرض... و لا أدري أي ذاكرة تلك التي ذكرتني برقم هاتف منزلي!
ظل الهاتف يرن فترة من الزمن... قبل أن أسمع أخيرا صوت أروى تجيب
وليد ! أخيرا اتصلت أخبرني أين أنتما و كيف حالكما و ماذا عن رغد
عندما سمعت اسم رغد لم أتمالك نفسي...
أجبت باڼهيار و بصري مركز على رغد
أجروا لها عملية... إنها ملفوفة بالجبائر... آه يا صغيرتي... منظرها يذيب الحجر... يا إلهي...
و أبعدت السماعة ... لم أشأ أن تسمع أروى ما زفره صدري...
ثم قربتها و قلت
سأتصل حينما تستفيق... نحن في مستشفى الساحل... ادعي الله لأجلها معي
و أنهيت المكالمة القصيرة و عدت إلى رغد...
و لا زلت لله داعيا متضرعا حتى رأيت رغد تتحرك و تفتح عينيها ! تهلل وجهي و اقتربت منها أكثر و ناديتها بشغف
متابعة القراءة