انت لي ١٠
المحتويات
معنا أروى... و أمها
أومأ برأسه إيجابا... فهززت رأسي رفضا...
أنا أرفض العودة لنفس الدوامة من جديد...
خاطبته بنبرة شديدة التوسل و الضعف...
أرجوك... دعني أعود إلى خالتي ...
وليد ركز النظر في عيني برهة...
أرجوك ... وليد
أغمض وليد عينيه و هز رأسه ببط ء
لا يمكن يا رغد .. انتهينا من هذا الموضوع
و حين فتح عينيه كان نظرات التوسل لا تزال تنبعث من عيني ...
قال
أنا المسؤول عنك يا رغد...
قلت بسرعة و تهور
أنا أعفيك من هذه المسؤولية
و اكتشفت خطۏرة جملتي من خلال التعبيرات المخيفة التي انبثقت على وجه وليد فجأة...
حاولت أن أخفف تركيز الجملة فقلت
أعني... أنني لا أريدك أن ... تزيد عبئي فوق أعبائك ... و خالتي و عائلتها... مستعدون لأن...
زمجر وليد
كفى يا رغد
فابتلعت بقية الجملة بسرعة كدت أغص معها !
بدا وليد عصبيا الآن... و لكن عجز عن الصړاخ لبحة صوته
لا أريد أن اسمع هذا ثانية يا رغد... أتفهمين
لم أتجاوب معه فقال
أنا الوصي عليك و ستبقين تحت مسؤوليتي أنا إلى أن أقرر أنا غير ذلك... مفهوم
فاجئني أسلوبه الجاف الفظ هذا... فيما كنت أنا أتحدث معه بكل لطف و توسل... حملقت فيه مصډومة به... حتى المړض لم يلين عناده !
مفهوم يا رغد
قلت باستسلام و رضوخ
مفهوم
و خرجت بعد ذلك بهدوء من الغرفة...
كم أشعر بالذل... كيف يعاملني وليد بهذا الشكل لماذا يقسو علي و أنا من كدت أموت خوفا عليه لماذا يتسلط علي و يضرب بعرض الحائط رغبتي
و هل علي أن أتحمل رؤية الشقراء ترافقه و تتبادل معه الاهتمام و العواطف الحمېمة.. بينما أكاد أعجز أنا عن مسح الډماء النازفة من أنفه و هو جريح مريض
بعد فترة حضر سامر جالبا بعض الأطعمة... و وجدت نفسي منقادة لما تفرضه الظروف علي... و جلست مع ابني عمي أشاركهما الطعام بكل بساطة !
إن لدي ابني عم اثنين... هما أهلي و أحبتي و كل من لي... و يساويان في حياتي الناس أجمعين... و إن احتل أحدهما الماضي من حياتي... فإن الآخر ... يحتل الحاضر و المستقبل...
ابنا عم... لا يوجد مثلهما ابنا عم على وجه الأرض !
و نحن نتناول الطعام كنت أراقبهما خلسة... و أصغي جيدا لكل كلامهما...
كم كانا لطيفين حنونين و هادئين جدا... بصراحة الله وحده الأعلم من منا نحن الثلاثة كان الأكثر قلقا و الأشد اهتماما بشأن الآخرين !
فيما بعد تركت أكبرهما يقيل وقت الظهيرة... و جلست مع الأصغر في غرفة المعيشة نشاهد التلفاز...
لم أكن لأقدم على الحديث معها لو أن رغد لم تبادر هي بالكلام...
و بالرغم من أنني كنت أتحاشى النظر باتجاهها إلا أنه كان من غير الممكن تحاشي التعقيب على حديثها...
ألا يجب ... أخذه للمستشفى كما أوصى الطبيب
لا أظنه سيرحب بالفكرة مطلقا
حاول أن تقنعه... !
نظرت إلى السقف و قلت
ما من جدوى ... على الأرجح !
رغد صمتت قليلا ثم قالت
لكن السفر قد يتعبه... و هو مصر على الذهاب للمدينة الساحلية ...
و أتمت بأسى
و على أخذي معه
شعرت من نبرة صوتها بعدم ارتياحها فقلت
ألا تريدين الذهاب
رغد قالت مباشرة
لا أريد... لكن... وليد مصر على اصطحابي معهم... لن يفيده ذهابي في شيء بل سيسبب له التعطيل و العقبات...
سألت
لم تقولين ذلك
رغد بدأت تتكلم... و كأنها تشكو إلي ... كأنها ... كتمت في صدرها آهات عدة و جمعتها سوية... لتطلقها أمامي... كأنها ما كادت تصدق أنها وجدت من تبوح إليه بما يختلج بواطنها... و كأنها... نسيت ... أن الرجل الذي تتحدث إليه و تبثه همومها هو خطيبها السابق الذي كان و لا يزال يعشقها پجنون...
و حين تتألم رغد... ينتشر صدى آلامها في صدري أنا...
أعرف أنني مصدر إزعاج له... و هم مرمي فوق صدره... و لكنه لا يريد إزاحتي بعيدا... بل ربما يستمتع بفرض وصايته و سطوته علي ! إنه لا يريد أن أعيش في بيت خالتي و لا يريد أن أتحدث مع ابنها... و يفرض علي ما ألبس و متى أخرج و إلى أين أذهب... في المزرعة و حتى في بيت خالتي
لم استطع التعقيب على حديثها هذه المرة... فماذا يمكنني القول
و لكن هل شقيقي... صارم لهذا الحد هل يقسو على رغد أليست مرتاحة للعيش معه ألم تكن هذه رغبتها هي
تابعت
و أنا لا أحتمل العيش مع الشقراء... و هي أيضا لا تطيقني ... لماذا لا يريد وليد فهم ذلك
و أيضا لم أعلق...
و ربما لما رأت رغد صمتي شعرت بخيبة الأمل... إذ لم تجد مني أي مواساة أو تفاعل... لذا لاذت بالصمت هي الأخرى...
هناك سؤال ظل يكتم أنفاسي و يخنفني... لم استطع تحاشيه و لا أدري أي جنون جعلني أطلقه من لساني بعد كل هذا الصمت و الجمود ..
رغد ...
رغد نظرت إلي و هذه المرة لم أهرب بعيني بعيدا... بل غصت في أعماق عينيها باحثا عن الجواب... و ليتني لم أجده...
ألا زلت ... تحبينه
بالتأكيد كان هذا آخر سؤال تتوقع مني رغد طرحه... خصوصا بعد التزمت و الاختصار الشديد في الحديث معها و تحاشيها قدر الإمكان...
و لم يكن من الصعب علي أو على أي كان أن يستنبط الجواب من هاتين العينين...
تصاعدت الډماء إلى وجنتيها بينما هبطت عيناها إلى الأرض...
هل كان علي أن أطرح پجنون سؤالا كهذا
يا لي من أحمق و فاشل...
من حينها لم أتحدث معها بأي كلمة... حتى وقفت مودعا إياهما في المزرعة...
وصلنا إلى المزرعة قرب الغروب... و استقبلت أورى وليد استقبالا حميما لن يسرني وصفه لكم... فيما أنا أحترق من شدة الغيظ...
و أحسنت هي و أمها و خالها الترحيب بي و بسامر...
و عندما خرج سامر مغادرا المنزل فيما بعد تذكر وليد مفاتيح سيارته فقال
المفاتيح مع سامر
قلت مباشرة
سأحضرها
و انطلقت مسرعة نحو الخارج...
كان سامر على وشك صعود السيارة فهتفت
سامر انتظر
و أقبلت مهرولة إليه ... الټفت سامر نحوي مستغربا و رفع نظارته الشمسية و نظر إلى عيني مباشرة
قلت
مفاتيح سيارة وليد
آه ... نعم
و التقط المفاتيح من داخل السيارة حيث كانت موضوعة على الرف عبر الباب المفتوح و قدمها إلي ...
المفاتيح كانت ضمن عدة مفاتيح أخرى مضمومة إلى بعضها البعض بالميدالية التي كنت قد أهديتها وليد في عيد الحج الماضي... إن كنتم تذكرون...
و أنا أمد يدي لأستلم المفاتيح منه... تبعثرت نظراتنا ثم التقت من جديد...
قلت
تبدو مختلفا...
و أنا أدقق النظر في الجهة اليمنى من وجه سامر و تحديدا عينه و ما حولها... الموضع الذي كانت تغطيه ندبة قديمة قبيحة... شوهت وجهه مذ سقط على
متابعة القراءة