انت لي ١٠

موقع أيام نيوز

الجمر المتقد و نحن نركب دراجته الهوائية أيام الطفولة...
الندبة تقريبا اختفت... و بدا سامر مختلفا... و هذا أول ما أثار انتباهي حين خلع نظارته السوداء المبللة بالمطر و نحن نركب السيارة يوم أمس...
سامر أمال إحدى زاويتي فمه بابتسامة أقرب إلى السخرية و قال 
هناك أشياء ... لا بد من التخلص منها و من آثارها... ذات يوم 
ثم استدار و ركب السيارة و ابتعد... تاركا الجملة ترن في أذني زمنا طويلا ...
عندما عدت إلى الداخل... وقع بصري على منظر أثار ثورتي و جعلني أرمي بالميدالية رميا على المنضدة تجاه وليد...
أروى ... كانت تجلس ملتصقة بوليد و تحيطه بذراعيها بينما تسند رأسها إلى كتفه بكل حنان !
لقد وجدتها الشقراء فرصة ممتازة لكي تقترب من ابن عمي ... بينما أنا لا أجرؤ على شيء ...
حسنا يا أروى
المعركة ابتدأت إذن 
استعنا بالله على الشقاء !
مستلق على سريري و شاعر بإعياء شديد في جميع عضلاتي... أجاهد من أجل إرغام الهواء على المرور عبر أنفي شبه المسدود... تنتابني نوبات فظيعة من السعال إن تجرأت و فتحت فمي... أنا وليد... الصامد في وجه النواكب العظمى... مستسلم تماما أمام المړض!
أقبلت أروى تحمل طبق الحساء الدافئ و شرابا من خلاصة الأعشاب... و جلست قربي... استويت أنا جالسا و قربت كأس الشراب من أنفي استنشق البخار المتصاعد منه... عله يساعد على توسيع مجرى الهواء... و لم أكن أحس برائحته... و لم أحس بطعمه...
الحمد لله 
قلت بعدما أنهيت وجبتي فعقبت أروى 
بالهناء و العافية... حبيبي 
نظرت إليها فابتسمت بحنان... ساهم في رفع معنوياتي المحبطة... من جراء المړض و من حالي مع رغد و أقاربها...
رددت إليها ابتسامة ممتنة... ثم عدت مضطجعا على الوسادة... شاعرا بالارتياح...
الساعة كانت العاشرة مساء و أنا ألازم فراشي منذ حضوري عصرا ... و منذ حضوري لم أر رغد...
سألت أروى 
ماذا عن رغد 
هذه المرة لم تحاول أروى إخفاء انزعاجها من سؤالي... و ردت 
ربما نامت في غرفتها... لا تفكر في شيء الآن... ابق مرتاحا و مسترخيا أرجوك 
و كأنها تؤكد أن رغد هي أحد أسباب قلقي و تعبي... و هي حقيقة غنية عن التأكيد !
ابتسمت لأروى و قلت خاتما الحديث 
تصبحين على خير 
كانت حالتي أفضل بكثير حينما نهضت صباح اليوم التالي... و تمكنت من مغادرة الفراش...
أخذت حماما منعشا زاد من حيويتي... و فيما كنت أرتب فراشي بعد ذلك أقبل كل من أروى و الخالة و العم إلياس يطمئنون علي و يحمدون الله على تحسن صحتي... 
جلسنا نتبادل بعض الأحاديث بشيء من المرح و السرور... و الضحك أيضا... إنني أنتمي إلى هذه الأسرة... و إن الله كان غاية في اللطف و الكرم سبحانه... و هو يضعها في طريقي... تعويضا عما فقدت.. و عمن فقدت...
لكن... لم يكن حبهم لي و عطفهم علي... ليغني عن حاجتي للمحبة و العطف من شقيقي الوحيد سامر... أو شقيقتي الوحيدة دانة ... أو ... صغيرتي الحبيبة... رغد...
ما أحوجني إليهم جميعا...
لم أكن قد رأيت صغيرتي منذ قدمنا إلى المزرعة يوم أمس... لا أعرف كيف نامت أو كيف صحت... و أين تجلس و ماذا تفعل...
و صدقوني... إنه من المستحيل علي أن أتوقف عن التفكير بشأنها... مهما حاولت !
قلت و أنا افتقدها بينما الجميع من حولي 
أين رغد 
هناك نظرة كانت خاطفة تبادلتها أروى و أمها لم تغب عن انتباهي... بل كنت أرصدها... ثم قالت خالتي 
لم تغادر غرفتها منذ دخلتها يوم أمس 
و هو جواب لا يصلح لرفع معنوياتي أو التخفيف عن آلامي... البتة !
وجهت خطابي إلى خالتي 
اذهبي و تفقديها يا خالة... رجاء 
ابتسمت خالتي و قالت 
بكل سرور يا بني... سأستدعيها ... 
و غادرت يتبعها العم إلياس... ثم عادت قائلة 
يظهر أنها لا تزال نائمة 
بعد ساعات انشغلت أروى و الخالة في المطبخ و العم في المزرعة... و أنا في القلق المتزايد على رغد !
ويحك يا رغد ! ألن تأتي للاطمئنان علي 
لم أطق صبرا... و ذهبت أنا للاطمئنان عليها...
طرقت باب غرفتها و قلت مصرحا 
أنا وليد 
و لما أذنت لي بالدخول... دخلت فرأيتها تقف عند المكتبة ممسكة بقلم... ربما كانت ترسم...
قلت 
كيف حالك يا رغد 
رغد ابتسمت بفرح و قالت بصوت خاڤت 
بخير... 
ثم بصوت أقوى 
كيف حالك أنت 
و لمحت القلق على وجهها... و شعرت بسعادة !
قلت مبتسما 
الحمد لله ... أفضل بكثير 
فاتسعت ابتسامتها و ازداد فرحها و كررت 
الحمد لله 
قلت 
لم أرك منذ الأمس... أقلقتني... لم لم تأتي لزيارتي 
طأطأت رغد رأسها ثم قالت 
لا استطيع أن... أتجول في المنزل ... 
صمت قليلا ثم قلت 
هذا ... بيتي يا رغد... و بيتي هو بيتك ... 
لكن رغد هزت رأسها مخالفة لكلامي... أردت أن استنبط منها رأيها فقلت 
أليس كذلك يا رغد 
رفعت بصرها و قالت 
لن أعتبر ... هذا المكان... بيتي أبدا يا وليد... و سأظل أشعر بالغربة بينكم... طالما أنا هنا 
تنهدت بمرارة... لم أكن أريد لصغيرتي أن تشعر بالغربة و هي معي أنا...
قلت 
سنغادر غدا... إلى منزلنا يا صغيرتي 
شيء من الاعتراض أيضا ارتسم على وجهها و قالت 
لكن... أنت... مريض 
قلت مطمئنا 
أنا بخير... سبق و أن حجزت التذاكر و لا داعي لتأجيل الأمر... 
صمتت رغد فسألتها 
هل هذا ... سيريحك 
انتقلت أنظار رغد من عيني إلى الأرض... و لم تجب... 
كنت أعرف بأنها لا ترغب في السفر بل في العودة إلى خالتها...
خطوت خطوات نحوها حتى صرت جوارها تماما... و أمكنني رؤية الرسوم التي كانت ترسمها على الورقة... كان رسما لفتاة صغيرة تحضن ذراعا بشړية كبيرة... تخرج من حوت مغمض العينين مفتوح الفكين تقطر الډماء من أنيابه !! 
ما المقصود من هذا الرسم الغريب !
ناديتها 
رغد 
فرفعت بصرها إلي ...
عندما نذهب إلى المدينة الساحلية... فسألحقك بالجامعة ... 
ظلت رغد تحدق بي... بشيء من التشكك أو المفاجأة
قلت مؤكدا 
لقد رتبت للأمر...و دبرت لك مقعدا في كلية الفنون... لتتابعي دراستك...ألم يكن هذا حلمك 
قالت بتردد 
أحقا 
قلت 
نعم يا رغد... أنت موهوبة و المستقبل المشرق ينتظرك ... 
رأيت تباشير ابتسامة تتسلل إلى وجهها ... إذن... فقد استحسنت الفكرة... الحمد لله !
و في وقت الإجازات سآخذك إلى خالتك... أعدك بذلك ... صدقيني يا رغد ... أنا أعمل لمصلحتك ... و لم يكن قصدي إجبارك على شيء... و إن فعلت... أو تصرفت معك بصرامة... فأرجوك... سامحيني 
عادت رغد ببصرها نحو الأرض ...
هل تسامحيني يا رغد 
رغد ابتسمت و أومأت إيجابا فتنفست الصعداء عبر فمي بارتياح... 
تصادم الهواء البارد مع حلقي المتهيج فأثار نوبة خفيفة من السعال جعلت رغد ترفع رأسها بقلق
تم نسخ الرابط