انت لي ١٠
المحتويات
و تمسك بذراعي تلقائيا و تهتف
وليد ...
انتهت نوبة السعال ... و ركزت نظري نحو رغد... و رأيتها تشد ذراعي بقوة ... تكاد تحضنها !
فيما تتجلى تعبيرات القلق و الخۏف على قسمات وجهها...
ابتسمت ! لا بل تحول سعالي إلى قهقهة !
أطلقت ضحكة قوية و أنا أقول
لا تخافي يا صغيرتي ... حتى الحيتان تمرض أحيانا !
تحسنت صحتي كثيرا و سافرنا جوا إلى العاصمة و من ثم إلى المدينة الساحلية أنا و رغد و أروى و الخالة ليندا.
أقبلت على العمل بجد و شغلت معظم أوقاتي فيه و قسمت الباقي بين شؤون المنزل و أروى و رغد
و آه من هاتين الفتاتين !
إنهما تغاران من بعضهما البعض كثيرا و باءت كل محاولاتي للتأليف فيما بينهما و تقريب قلبيهما لبعضهما البعض بالفشل و الخذلان...
المشاحنات تضاءلت بعض الشيء مع بداية الموسم الدراسي... إذ أن رغد أصبحت تغيب عن المنزل فترات طويلة...
الأمر كان صعبا في البداية إلا أن رغد تأقلمت مع زميلاتها و من محاسن الصدف أن كانت إحدى بنات السيد أسامة المشرف السابق على إدارة مصنع أروى زميلة لها و قد تصاحبت الفتاتان و توطدت العلاقة بينهما... تماما كما توطدت فيما بيني و بين السيد أسامه عبر الشهور... و وافق مبدئيا على عرضي بالعودة إلى المصنع...
و الدراسة شغلت فراغ رغد السابق و نظمت حياتها و زادت من ثقتها بنفسها و بأهميتها و مكانتها في هذا الكون بعد أن فقدت كل ذلك بمۏت والدي رحمهما الله...
و لأن الله أنعم علي بالكثير و له الحمد و الشكر دائما و أبدا... فقد أغدقت العطاء على صغيرتي و عيشتها حياة مرفهة كالتي كانت تعيشها في كنف والدي أو أفضل بقليل...
و فتحت لها حسابا خاصا في أحد المصارف... و وظفت خادمة ترعى شؤونها و شؤون المنزل...
ابتسمت لي الدنيا كثيرا و انتعشت نفسيتي... و لم يعد يعكر صفو حياتي غير الحړب...
إضافة إلى ... المعارك الداخلية المستمرة بين الفتاتين !
يجب أن تتحدث إلى ابنة عمك يا وليد فهي مصرة على المذاكرة في المطبخ !
تقوس حاجباي استغرابا و سألت
المطبخ !
قالت أروى
نعم المطبخ ! و ها قد نشرت كتبها و أوراقها في كل أرجائه بعدما سمعتني أقول لأمي أنني سأعد عشاء مميزا جدا لهذه الليلة !
ضحكت بخفة و قلت
دعيها تذاكر حيثما تريد !
بدا الاستهجان على وجه أروى و قالت
و لكن يا وليد الزمن يداهمنا و لن أتمكن من إعداد العشاء للضيوف في الوقت المناسب !
كنت آنذاك مستلق على أحد المقاعد في غرفة المعيشة الرئيسية ... أرخي عضلاتي بعد عناء يوم عمل طويل... و الساعة تقترب من الخامسة مساء ...
أغمضت عيني و قلت بلا مبالاة
لا تقلقي... إنه سيف ليس إلا !
و كنت قد دعوت سيف و زوجته و طفلهما طبعا لمشاركتنا العشاء هذه الليلة...
وليد !
فتحت عيني فرأيت أروى تنظر إلي پغضب واضعة يديها على خصريها. ابتسمت و قلت
حسنا سأتحدث إليها ... لا تغضبي
و نهضت بكسل و أنا أمدد أطرافي و أتثاءب !
توجهت نحو المطبخ و وجدت الباب مغلقا فطرقته و ناديت رغد... بعد ثوان فتحت رغد الباب و وقفت وسط الفتحة !
مرحبا رغد... كيف كان يومك
ابتسمت و قالت
جيد...
الحمد لله... و كيف دروسك
قلت ذلك و أنا أخطو نحو الأمام بهدف دخول المطبخ غير أن رغد ظلت واقفة معترضة طريقي كأنها تمنعني من الدخول !
قالت متلعثمة
جيدة... ممتازة
إذن في الأمر سر !
تقدمت خطوة بعد و لم تتحرك ... بل ظهر التوتر على وجهها و احمر خداها !
قلت
بعد إذنك !
و تظاهرت بالعفوية و تنحت هي عن طريقي... بارتباك !
شعرت بالفضول ! لماذا لا تريد رغد مني دخول المطبخ...
نظرت من حولي فرأيت مجموعة من الكتب و الدفاتر و الأوراق... و الكراسات أيضا مبعثرة هنا و هناك...
و كان كوب شاي موضوعا على الطاولة و منه يتصاعد البخار... و إلى جانبه كراسة و بعض أقلام التلوين... استنتجت أن رغد كانت تشرب الشاي جالسة على هذا الكرسي...
اقتربت منه فأسرعت هي نحو الكراسة و أغلقتها و حملتها في يدها...
إذن هنا مكمن السر !
ابتسمت و قلت بمكر
أريني ما كنت ترسمين
ارتبكت رغد و قالت
مجرد خربشات
اقتربت منها و قلت
دعيني أرى
قالت بإصرار
إنها لا تستحق الرؤية ... دعك منها
وسعت ابتسامتي و قلت بإصرار أكبر و بفضول أشد
أريد رؤيتها... هاتيها
و مددت يدي نحوها... و لما لم تتحرك قلت
هيا رغد
و تحركت يدها بتردد و أخيرا سلمت الكراسة إلي...
تعرفون كم تحب صغيرتي الرسم و كم هي ماهرة فيه... و كنت دائما أطلع على رسماتها و أتابع جديدها من حين لآخر... و يزداد إعجابي...
أخذت أتصفح الكراسة صفحة صفحة و أتأمل الرسمات... رسمات جميلة لأشياء مختلفة... من يد فنانة ! و رغد كانت تراقبني باضطراب ملحوظ... شيء يثير فضولي لأقصى حد ماذا تخبئين !
و أخيرا وصلت إلى آخر رسمة... و هي الصفحة التي كانت رغد ترسم عليها قبل وصولي بالتأكيد... نظرت إلى الرسمة و فوجئت !
ثم نظرت إلى رغد ... و تلقائيا أطلقت آهة استنكارية !
أتدرون ما كان مرسوما
صورة لأروى...و هي ترتدي مريلة المطبخ و قد امتد شعرها الأشقر الحريري الطويل حتى لامس الأرض و كنسها !
رغد سحبت الكراسة فجأة و أخفتها خلف ظهرها... أما أنا فهززت رأسي اعتراضا و استنكارا...
و يبدو أن رغد أحست بالخجل من رسمها هذا و نزعت الورقة من الكراسة و جعدتها و ألقت بها في سلة المهملات... ثم قالت دون أن تنظر إلي
آسفة
قلت رغبة مني في تخفيف الحرج
أنت موهبة خطېرة !
و لم تعلق رغد بل شرعت في جمع كتبها و أشياءها المبعثرة و من ثم هربت نحو الباب...
قلت
الشاي !
مشيرا إلى كوب الشاي الذي تركته على الطاولة... فالتفتت إلي و قالت
تركت لها كل شيء... أنا آسفة
و ولت مسرعة !
جلست أنا على نفس المقعد الذي رجحت أن رغد كانت تجلس عليه و في داخلي مزيج غير متجانس من الراحة و الانزعاج... و الضحك و الڠضب !
بعد قليل أقبلت أروى تحمل وعاء يحوي بعض الخضار المقشرة و كيسا يحوي قشورها... و الظاهر أنها عملت في تقشير الخضار في مكان ما خارج المطبخ قبل أن تأتي إلي في غرفة المعيشة...
وضعت أروى الوعاء على الطاولة و ابتسمت و هي تقول
أخيرا ! ألم تطب لها الدراسة هذا اليوم إلا هنا
ابتسمت ... و لم أعلق...
و توجهت أروى حاملة كيس القشور نحو سلة المهملات...
كنت أراقب الدخان المتصاعد من كأس شاي رغد... و لا أعرف لم
متابعة القراءة