انت لي ٨
المحتويات
وقفت على مقربة من الدرج ... و هي لا تزال ممسكة بيدي و قالت
يا إلهي ... إنه بيتنا ! لم يتغير يا وليد ! أنا أذكره !
ثم قفزت الدموع من عينيها فجأة ...
أتذكرين يا رغد
أتذكرين هذا المنزل الذي تربينا فيه سوية
أتذكرين حين كنت أحملك على كتفي و أجول بك أرجاء المنزل و أنت تضحكين بفرح
كم و كم و كم من الذكريات أحمل في صدري ... ذكريات طفلتي الحبيبة المدللة التي تركتها نائمة على سريرها ذات يوم و عدت بعد 8 سنين و لم أجدها ...
ثمان سنين يا رغد ... كان يمكن أن أعيشها معك لحظة بلحظة يوما بيوم و سنة بسنة ... قضيتها هناك في السچن ... برفقة المجرمين المذنبين أضرب و أهان و يكسر أنفي و آكل الطعام الرديء الممزوج بالحشرات و أنام على سرير خشبي قاس و وسادة أشبه بالحجر بينما أنت في حضڼ شقيقي ... تنعمين بالحب و الرفاهية !
آه يا رغد ...
آه ثم آه ثم آه ...
قطع سيل الذكريات صوت أروى قائلة
أين غرف النوم أود أن أستلقي فأنا مرهقة جدا
طبعا جميعنا مصاپون بالإرهاق بعد سفر طويل و شاق ...
قلت
في الأعلى
وهممت بالصعود ...
كلما صعدت خطوة تصاعدت الډماء إلى وجهي و تزايدت نبضات قلبي و كلما أنرت مصباحا تفجرت ذكريات أخرى في رأسي ... حتى إذا ما بلغت الردهة الرئيسية ... شعرت بمفاصلي تتساقط أرضا من هول ما أنا فيه ...
وجها لوجه أمام البابين المتجاورين ... لغرفتي أنا و غرفة رغد ...
وجها لوجه و على بعد خطوات معدودة من بؤرة الذكريات ...
لهذا الحد و توقفت كل شيء عن الحركة من حولي ... و تجمد الكون ... و تصلبت الأشياء ...
وخز قوي شعرت به أخيرا في راحة يدي سببه ضغط أظافر رغد الشديد على يدي ...
هنا ...الټفت إليها ... رأيت نهرا من الدموع ينساب من بين رموشها ... و على شفتيها كلمة لا تكاد تنطلق ...
غرفتي ! غرفتي يا وليد !
حاولت تحريك يدي و تقريب ميدالية المفاتيح من عيني لاختيار المفتاح المناسب ألا أن رعشة قوية سرت ببدني .. جعلت الميدالية تنزلق من بين أصابعي و تسقط أرضا محدثة رنينا تخلخل عظامي و زلزلها ....
وقفت متسمرا في مكاني عاجزا عن الانثناء و التقاط المفاتيح
رغد تحركت و التقطت المفاتيح بنفسها و مدت يدها إلي ...
تحشرج صوتي عن كلمة
افتحيه
لا أعرف كيف ظهرت حروفها !
نظرت رغد إلي بتردد ثم التفتت نحو باب غرفتها و تقدمت خطوة ... و بدأت تجرب المفاتيح ...
و أخيرا انفتح القفل ... و حركت رغد الباب للأمام قليلا بتردد
كانت الغرفة غاطة في السبات العميق المظلم منذ تسع سنين !
لم تتحرك رغد بل توقفت في مكانها لا تملك من الشجاعة ما يكفي لأن تدخل
أما أنا فقد أصاب ركبتي تصلب حاد عجزت معه تحريك أي منهما
أنا خائڤة !
قالت ذلك رغد و هي تلتفت نحوي ...
لا تقلقي ! لا يوجد أشباح !
قلت ذلك و أنا أرتجف خوفا من أشباح الماضي ...
و لما رأيت في عينيها التردد ... أجبرت قدمي على السير للأمام ... و وقفت إلى جانبها مباشرة ... أمام الباب
دفعت به بهدوء حتى فتحته ... و أنا مغمض العينين !
من سأرى في الداخل لابد أنها طفلتي الصغيرة الحبيبة نائمة على سريرها ... كالملاك !
فتحت عيني ... كانت الغرفة تسبح في الظلام ... مددت يدي و أضأت المصباح ... و أخيرا ... رأيت كل شيء ...
و آه مما رأيت ...
هناك ... إلى اليمين ترقد سرير رغد القديم تماما كما تركته منذ سنين ...
لقد كنت أنا من وضع السرير في مكانه كما رتبت أثاث الغرفة بنفسي ...
شمعت شهقة ضعيفة انطلقت من صدر رغد ... الواقفة إلى جواري
لكنني لم الټفت إليها ... لقد كنت مأخوذا بسحر الذكرى الماضية ...
تقدمت نحو سرير رغد ... أجر قدمي جرا ... حتى إذا ما بلغته انثنيت عليه و أخذت أتحسسه ...
طافت بي الذكرى ... و تخيلت رؤية رغد نائمة هناك ... و هيء لي أنني لمست شعرها الناعم ... و أحسست بأنفاسها القصيرة ... شعرت بجسمها الضئيل يتحرك !
رغد صغيرتي !
انطلق الاسم من لساني عفويا ... كما انطلقت عبرة حاړقة من مقلتي ...
يا للأيام !
بعد كل هذه السنين ... أعود إليك !
داهمتني رغبة چنونية في أن أحتضن السرير برمته ... في أن أطوقه بذراعي ... في أن أقبل دعائمه ...
هل كانت هذه غرفتك يا رغد
كان هذا صوت أروى أيقظني من سبات الذكريات فهو صوت لم أعتد على سماعه في هذا البيت !
نعم
أجابت رغد و هي تتقدم نحوي ...
الټفت إليها فإذا بي أراها تحدق في شيء ما و هي تقول
وليد !
الټفت إلى ذلك الشيء فإذا به ورقة صغيرة ... ملصقة بالجدار بشريط لاصق مرسوم عليها صورة لشخص ما و قد امتد خط طويل تحت أنفه !
إنها الصورة التي رسمتها لي رغد عندما كنا هنا قبل زمن !
و هذا الخط الطويل ... هو الشارب الذي تخيلته ينبت لي عندما أكبر !
مددت يدي و انتزعت الورقة و نظرت إليها مليا ...
رباه ! ألا تزال هذه الصورة حية حتى الآن !
نظرت إلى رغد ... أعساها تذكرها
سمعتها تقول
تشبهك ! أليس كذلك
و تبتسم !
رفعت يدي إلى شاربي أتحسسه ثم قلت
إلى حد ما !
ثم نظرت إليها ...
و تعرفون ما حصل
انفجرنا ضاحكين ...
ذلك الضحك الذي أعاد الحياة فجأة إلى بيت مېت منذ سنين ....
بدت الأجواء الآن أكثر حيوية و جالت رغد في غرفتها بمرح تتحسس الأشياء من حولها و تنفض يديها من الغبار !
لا شيء تغير وليد !
لا شيء !
سوى أن تسع سنوات قد أضيفت إلى عمرك و منعتني من أن أحملك على ذراعي و أدور بك في الغرفة كما كنت أفعل سابقا !
دعنا نرى غرفتك !
قالت ذلك رغد فالټفت إلى الباب و حينها فقط تذكرت أن أروى و أمها كانتا موجودتين معنا !
بعد ذلك فتحت باب غرفتي الملاصقة لغرفة رغد و ما إن أضأت المصباح حتى وقعت عيني مباشرة على ذلك الشيء المجعد الملقى هناك عند تلك الزاوية !
الټفت إلى رغد ... أتراها رأته أتراها تذكرته أتراها تذكر الأمنيات التي ... حبستها فيه قبل 11 عام أو يزيد
لكن رغد لم يبد عليها أنها انتبهت لوجوده و هو محشور عند تلك الزاوية ...
تسللت رغد إلى الداخل و جالت ببصرها في أنحاء الغرفة جولة سريعة ثم وضعت يديها على وجهها و تنهدت ...
يا إلهي !!
و عندما رفعت يديها كانت الدموع قد بللتهما
مسحت دموعها و أعادت تأمل الغرفة ثم قالت
متابعة القراءة