انت لي ٨
المحتويات
ثانية قبل ذلك .. فوالذي لم يخلق في داخلي قلبين اثنين لأقننه درسا ينسيه حروف اسمه ... و دون ذلك لن يبعدك شيء عني غير المۏت.. المۏت و المۏت فقط
لم أدرك تماما خطۏرة ما تفوهت به إلا بعد أن رأيت رغد تحملق بي بذهول شديد و قد تبخرت الدموع التي كانت تجري على وجنتيها.. و ألجم حديثي لسانها و منعها حتى عن التأوه من شدة قبضي على يدها...
ربما أكون قد كسرت أحد عظامها أو حركت أحد مفاصلها .. لقد كنت أضغط بقوة شديدة... أصابت عضلات يدي أنا بالإعياء...
سكون تام خيم علينا ما عاد هناك صوت للمحرك و لا للهواء و لا لرغد و لا لأي شيء آخر..
حررت يد رغد من قبضتي فرأيتها محمرة.. و بالتأكيد مؤلمة...
إلا أن رغد لم يظهر عليها الألم و لم تسحب يدها بعيدا عني كما لم ترفع عينيها المذهولتين عن عيني ...
طوال الأشهر الماضية كنت أنظر إلى خطيبي وليد نظرة إعجاب شديد أكاد معها أجزم بأنه أفضل رجل على وجه الأرض و لا أرى منه أو فيه أي عيب أو نقص...
و كانت جميع خصاله و طباعه تعجبني و سلوكه و تصرفاته كلها مثار إنبهاري ..
و في هذا اليوم رأيت شيئا أذهلني و فاجأني...
لم أتصور أن يكون وليد بهذا التسلط أو هذه القسۏة ! لم أتوقع أن يصدر منه أي تصرف ۏحشي.. كنت أراه إنسانا هادئ الطباع و مسالما... و عظيم الخلق...
الطريقة التي سحب بها رغد رغما عنها و الطريقة التي زجرنا بها حين حاولنا ثنيه عما كان مقبلا عليه و الطريقة التي لكم بها حسام بۏحشية و الطريقة التي خاطب بها رغد و نحن في طريقنا الطويل إلى المدينة الساحلية كلها أثارت في قلبي الخۏف و الحذر...
و ذكرتني بأن خطيبي هذا قد قتل شخصا ما ذات يوم ... !
كان الطريق إلى المدينة الساحلية طويلا جدا و مملا جدا ... و قد سيطر الصمت الموحش علينا نحن الأربعة ...
والدتي سرعان ما نامت و بقيت أنا أراقب الطريق و أحاول النظر إلى وليد إلا أنه كان مركزا على الطريق تركيزا تاما و كان يسير بسرعة مخيفة !
هللا خففت السرعة يا وليد !
طلبت منه ذلك فقد شعرت بالخۏف من انفعاله ... لكنه لم يخففها بل قال
طريقنا طويل جدا ... أجدر بي زيادتها
ثم الټفت إلى رغد و التي كانت مشيحة بوجهها نحو النافذة و مسندة رأسها إليها و خاطبها قائلا
اربطي حزام الأمان
لم أر من رغد أي حركة أهي نائمة أم لم تسمع أم ماذا
عاد وليد يقول
رغد .. اربطي حزام الأمان
رأيتها تتحرك ثم سمعتها تقول
لماذا هل تنوي أن ټصدمنا بشاحنة أو جبل
بدا على وليد من نبرة صوته نفاذ الصبر و الاستياء إذ قال
لا قدر الله فقط اربطيه للسلامة
قالت رغد
لا تخش على سلامتي ! مرحبا بالمۏت في أي وقت .. أنا انتظره بشوق
الجملة هذه أربكت وليد فانحرف في مسيره قليلا و أفزعنا ! ثم خفف السرعة تدريجيا حتى أوقف السيارة... و الټفت إلى رغد قائلا
توقفي عن ذكر المۏت يا رغد.. تجرعت منه ما يكفي.. إياك و تكرار ذلك ثانية
لم تعقب رغد بل أسندت رأسها إلى النافذة من جديد...
قال وليد
اربطي الحزام
قالت
لن أفعل !
رغد ! هيا !
لن أربطه !
إذن أنا سأربطه !
و رأيت وليد يمد يده باتجاه الحزام ثم رأيتها ترتد بسرعة إليه! أظن أن رغد دفعتها بعيدا ثم سمعت صوت اصطكاك لسان الحزام بفكه !
لقد ربطته بنفسها !
ثم سمعت وليد يقول
فتاة مطيعة
و يعاود الانطلاق بالسيارة بأقصى سرعة !
بعد فترة توقف وليد عند إحدى محطات الوقود من أجل الوقود و الطعام و الصلاة...
خاطبنا مشيرا إلى مبنى على جانبنا
يوجد هنا مصلى للسيدات حينما تفرغن عدن إلى السيارة ثم نذهب إلى المطعم
أنا و والدتي فتحنا البابين الخلفيين و نزلنا...
وليد فتح بابه.. ثم الټفت إلى رغد... و التي كانت لا تزال جالسة مكانها لا تصدر منها أي حركة تشير إلى عزمها على النهوض ! ..
ألن تنزلي
سألها فسمعتها ترد بسؤال
إلى أين ستذهب أنت
قال وليد
إلى المسجد
و أشار بيده إلى نفس البناية و التي تحوي مصلى صغيرا خاصا بالرجال و آخر بالنساء يفصلهما جدار و يقع باباهما في الطرفين المتضادين ..
يظهر أن الفكرة لم ترق لرغد هذه المدللة المدلعة و أبت إلا أن يقف وليد عند مدخل المصلى النسائي حارسا على الباب !
بعد ذلك اقترح وليد أن ندخل إلى المطعم المجاور لتناول الطعام فلم يعجبها الاقتراح فاقترح أن يذهب هو لإحضاره و نبقى نحن في السيارة و أيضا لم يعجبها الاقتراح ! يا لهذه الفتاة ... لقد بدأت أشعر بالضيق من تصرفاتها ! إنها بالفعل مجرد طفلة كبيرة !
أتدرون ما فعلت في النهاية
أصرت على الذهاب معه و تركتنا أنا و أمي نعود للسيارة !
ركبت أنا المقعد الأمامي و أمي خلفي مباشرة و قلت مستاءة
إنه يدللها بشكل يثير سخطي يا أمي .. أستغرب.. لم لم يتركها في بيت خالتها كما أرادت و أصرت ! إنه ينفذ جميع رغباتها بلا استثناء! فلم عارض هذه الرغبة
قالت والدتي
هذا لأنه يشعر بالمسؤولية الكاملة تجاهها لا تنسي يا ابنتي أنها يتيمة و وحيدة
قلت
هل سمعت ما قاله يبدو أن ابن خالتها يخطط للزواج منها بعدما انفصلت عن خطيبها السابق ! أظنه حلا ممتازا لمثل وضعها ! لم يعارضه وليد
قالت
هو الأدرى بالمصلحة يا أروى لا تتدخلي في الموضوع بنيتي
و في الواقع الموضوع كان يشغل تفكيري طوال الساعات الماضية...
لقد قال وليد و هو في قمة الثورة و العصبية مخاطبا رغد أنه لن يسمح لها بالزواج من أي رجل قبل مرور سنين ! ... هذه الجملة تثير في داخلي شكوكا و أفكارا خطېرة ...
بعد قليل أقبل وليد يحمل كيسا حاويا للطعام و إلى جانبه تسير مدللته الصغيرة ..
من خلال النافذة ألقت رغد علي نظرة غيظ حادة لم أفهم لها سببا ثم ركبت السيارة إلى جوار والدتي...
وليد بعدما جلس أخذ يوزع علينا حصصنا من الطعام و الذي كان عبارة عن هامبرجر و بعض العصير...
و حين جاء دور المدللة الټفت إليها مادا يده مقدما علبة البطاطا المقلية ...
تفضلي رغد.. طبقك
الفتاة التي تجلس خلف وليد مباشرة قالت ببساطة
لا أريد ! كله أنت !
وليد بدا مستغربا ! و قال
ألم تطلبي بطاطا مقلية !
قالت
بلى غيرت رأيي احتفظ به
وليد مد إليها بعلبة الهامبرجر الخاصة به...
خذي هذه إذن
قالت
لا
متابعة القراءة