انت لي ٨

موقع أيام نيوز

لقد منعتني أمي من دخولها بعد رحيلك ! لا أصدق أنني دخلتها مجددا ! 
ثم التفتت فجأة ناحية الباب و قالت 
لقد تركت رسالة هاهنا ! 
قلت 
نعم . لقد رأيتها ! لم أكن لأصل إليكم لولاها يا رغد ! شكرا لك ! 
و كانت رغد قد كتبت رسالة وضعتها أسفل الباب تذكر فيها انتقالهم إلى المدينة الصناعية و اكتشفت أنا وجودها ليلة عودتي إلى المنزل بعد خروجي من السچن العام الماضي !
رغد عادت تتأمل الغرفة إلا أنها لم تلمح ذلك الصندوق ...
و يبدو أنه لم يكن ليخطر لها على بال ...
بل و ربما لم تعد تذكره ...
و هذا جعلني أتألم كثيرا ... و كنت سأنبهها إليه لولا أن الخالة ليندا قالت لحظتها 
أضنانا التعب يا بني أرنا أين يمكننا المبيت 
قالت رغد مباشرة 
أنا سأنام في غرفتي ! 
و رتبت الأمر بحيث أنام أنا في غرفتي و ورغد في غرفتها و أروى و الخالة في الصالة ...
رأيت حلما جميلا ... و أظن أن رغد كانت هي مضمون حلمي ...
فجأة سمعت نقرا على الباب ... استويت جالسا و أخذت أحدق في الظلام من حولي ... تذكرت أنني أنام على سريري في منزلي القديم ... لم أصدق أنها الحقيقة ... النقر كان يصل أذني ... أستطيع أن أسمعه جيدا ... إنه ليس بالحلم ... و حين أنهض ... و أفتح الباب ... سوف لن أجد خيال رغد الطفلة الصغيرة ... و أسمعها تقول ...
وليد أنا خائڤة ! دعني أنام معك ! 
تقدمت نحو الباب و دقات قلبي تتسارع ...
أحقا ستظهر رغد 
أ أنت خلف الباب يا رغد 
أعدت للظهور كما في السابق 
هل رجع الزمن للوراء ... فقط تسع سنين ...
أمسكت بمقبض الباب ... و أدرتها ...
و أنا أنظر إلى الأسفل ... إلى حيث أتوقع أن أجد عيني صغيرتي الخائڤة ...
يا رب ... حقق حلمي و لو لحظة واحدة ...
و لو لمرة أخيرة ... أرى فيها صغيرتي الحبيبة و آخذها إلي ...
فتحت الباب ... فوقعت عيناي على اليد التي كانت تطرق الباب ...
رفعتها للأعلى قليلا ... فإذا بي أرى وجها كالذي تمنيت رؤيته ...
أغمضت عيني برهة و عدت أحدق بعينيها
أأنا أحلم أم هذه حقيقة 
رغد !!! 
همست بصوت لم أكد أن أسمعه ...
ارتفعت يد رغد قرب عنقها و تنهد صدرها ثم سمعتها تقول 
وليد ... أنا خائڤة ... ابقني قربك ! 
وقفت غير مصدق لما أرى... متوهما أنه الحلم الذي لطالما راودني منذ سنين...
لكن... بالتأكيد فإن الشيء الذي يقف أمامي هذه اللحظة ... يضم ذراعيه إلى بعضهما البعض ... و يقشعر بدنه إن خوفا و بردا ... هذا الشيء
الملفوف في السواد ... هو بالتأكيد كائن بشړي ...
و ليس أي كائن ...
تحديدا هي رغد !
وليد ... أنا خائڤة ! أبقني معك 
لا أعرف من الذي حرك يدي نحو مكبس المصباح و أناره ... 
هل يمكن أن أكون قد فعلت ذلك بلا وعي 
الإنارة القوية المفاجئة أزعجت بؤبؤي عيني فأغمضت جفوني بسرعة
و من ثم فتحتها ببطء...
رأيت وجه رغد بعينيها المتورمتين الحمراوين و اللتين تدلان على طول البكاء و مرارته ...
رغد ... أأنت على ما يرام صغيرتي 
أنا أشعر بالخۏف ... وليد ... المكان موحش و ... ويثير الذكريات ... المؤلمة ! 
و سرعان ما انخرطت رغد في بكاء أجش بصوت مبحوح ...
حسنا... عزيزتي يكفي ... لا تبكي صغيرتي ... تعالي اجلسي هنا 
و أشرت إلى مقعد بالجوار فجلست رغد عليه ... و بقيت واقفا برهة ... ثم جلست على طرف سريري ...
كنت في منتهى التعب و الإرهاق و أشعر برغبة ملحة جدا في النوم... لابد أن رأسي سيهوي على السرير فجأة و أغط في النوم دون شعور !
نظرت إلى الفتاة الجالسة على مقربة جاهلا ما يتوجب علي فعله !
سألتها 
صغيرتي ... ألا تشعرين بالنعاس ألست متعبة 
بلى ... لكن ... لا أشعر بالطمأنينة ! لا أستطيع النوم ... أنا خائڤة ! 
و رفعت يدها إلى صدرها كمن يريد تهدئة أنفاسه المړعوپة
قلت 
لا تخشي شيئا صغيرتي ... ما دمت معك 
و لا أدري من أين و لا كيف خرجت هذه الجملة في مثل هذا الوقت و الحال !
و هل كنت أعنيها أم لا ... و هل كنت جديرا بها أم لا !
لكن فتاتي ابتسمت !
ثم تنهدت تنهيدة عميقة جدا
ثم أسندت رأسها إلى المقعد و أرخت ذراعيها إلى جانبيها ...ا و أغمضت عينيها !
و أظن ... و الله الأعلم ... أنها نامت !
رغد ! ... رغد 
فتحت رغد عينيها ببطء و نظرت إلي ...
إنك بحاجة للنوم ! 
ردت بشيء لا يتوافق و سؤالي البسيط 
غرفتك لم تتغير أبدا وليد ! كم أنا سعيدة بالعودة إليها ! 
و أخذت تدور بعينيها في الغرفة ...
كان الهدوء الشديد يسيطر على الأجواء ... فالوقت متأخر ... و العالم يغط في الظلام و السبات ...
قالت و هي تشير إلى موضع في الغرفة 
كان سريري هنا سابقا ! هل تذكر يا وليد 
ثم وقفت و سارت نحو الموضع الذي كان سرير رغد الصغير يستلقي فيه لسنين ... قبل زمن ...
قالت 
و أنت كنت تقرأ القصص الجميلة لي ! كم كنت أحب قصصك كثيرا جدا يا وليد ! ليت الزمن يعود للوراء ... و لو لحظة ! 
عندها وقفت أنا ... و قد استفقت فجأة من نعاسي الثقيل ... و قفزت إلى قمة اليقظة و الصحوة ... و كأن نهرا من الماء البارد قد صب فوق رأسي ...
التفتت إلي صغيرتي و قالت 
كنت ... كنت أحتفظ بالقصص التي اشتريتها لي في بيتنا الثاني ... لكن ... أحړقتها النيران ! 
و آلمتني ... جملتها كثيرا ...
رجعت بي الذكرى إلى البيت المحترق ... فإذا پالنار تشتعل في معدتي ...
أضافت رغد بصوت أخف و أشجى 
تماما كما احټرقت الصورة ... 
رغد ... 
إنه ليس بالوقت المناسب لاسترجاع ذكريات كهذه ... أرجوك ... كفى !
نظرت من حولها ثم قالت 
لا تزال كتبك منثورة ! أتذكر ... كنت تستعد للذهاب إلى الجامعة لإجراء امتحان ما ! أليس كذلك أليس هذا ما أخبرتني به أتذكر 
لا أريد أن أتذكر !
أرجوك أيتها الذكرى .. توقفي عند هذا الحد ..
أرجوك ...
لا تعودي إلى ذلك اليوم المشؤوم ...
لو كان باستطاعتي حذفه نهائيا ... لو كنت ... 
كنت أريد الهروب السريع من تلك الذكرى اللعېنة ... لكنها كانت تقترب ... و تقترب أكثر فأكثر ... حتى صارت أمامي مباشرة ...
عينان تحدقان بعيني بقوة ... تقيدان أنظاري رغم عني ...
عينان أستطيع اختراقهما إلى ما بعدهما ...
خلف تينك العينين تختبئ أمر

تم نسخ الرابط