انت لي ٨
رغد لم تعقب بل أحنت رأسها للأسفل بحزن...
اقتربت منها أكثر ثم قلت
رغد ! و هل تظنين أنني سأتركك هنا و أذهب
رغد رفعت رأسها و نظرت إلي نظرة جعلت قواي تخور فجأة ...
قلت بصوت ضعيف واهن
أرجوك يا رغد.. ماذا تقصدين أخبريني بلسانك فلغة العيون هذه ..ترسلني إلى الجنون
قالت رغد
ستصبحان ثريين !
ثم أضافت
هنيئا لكما !
و غطت وجهها بيديها كلتيهما و بكت بكاء مؤلما...
أرجوك يا رغد لم كل هذا ماذا يجول برأسك الآن
رغد قالت و هي على وضعها هذا
دعني وحدي
لم أقبل قلت مصرا
ما بك الآن أخبريني أرجوك
أزاحت رغد يديها و رمقتني بنفس الناظرة و قالت
أريد الذهاب إلى خالتي ! هلا أخذتني إلى هناك
رتبنا الأمور للسفر برا أنا و رغد و أروى و الخالة ليندا فيما ظل العم إلياس في المزرعة يهتم بأمورها بمساعدة الأشخاص الذين عينتهم أنا للعمل عندنا قبل مدة.
خطة سفرنا كانت تقتضي منا التعريج على المدينة الصناعية أولا من أجل زيارة عائلة أم حسام كما ترغب رغد و تلح و من ثم الذهاب إلى المدينة الساحلية.
في السيارة كانت أروى تجلس على المقعد المجاور لي و كنا نتبادل الأحاديث معظم الوقت بينما يخيم صمت غريب على المقعدين الخلفيين رغد و الخالة !
الخالة سرعان ما غلبها النعاس فنامت أما الصغيرة الحبيبة فكلما ألقيت نظرة عبر المرآة إليها وجدتها تحدق بي بحدة ! و كلما حاولت إشراكها في الحديث معنا ردت ردا مقتضبا سريعا باترا !
المشوار إلى المدينة الصناعية المنكوبة لم يكن طويلا لكن الشارع كان خاليا من أية سيارات الأمر الذي يثير الوجل في قلوب عابريه !
عبرنا على نفس محطة الوقود التي بتنا عندها تلك الليلة.. و نحن مشردون في العراء !
المحطة كانت مهجورة و البقالة مقفلة... المكان ساكن و هادىء لا يحركه شيء غير الريح الخفيفة تعبث بأشياء مرمية على الأرض ...
كم كان يومنا مأساويا...
خففت السرعة و جعلت أراقب ما حولي و أستعرض شريط الذكريات... لقد نجونا بأعجوبة ! سبحان الله ...
وليد ..
كان هذا صوت رغد تناديني بوجل.. و كأن الذكرى أثارت في قلبها الفزع... الټفت إليها فوجدتها تكاد تلتصق بمقعدي ! و علامات التوتر و الخۏف مستعمرة تقاسيم وجهها الدائري...
قلت مشجعا
نجونا.. بفضل الله ..
و سبحنا في بحر عميق من الهدوء الموحش ...
تابعنا طريقنا و الذكرى تجول في رأسينا... هنا مشينا حفاة.. هنا ركضنا... هنا وقفنا... هنا حملت رغد... هنا وقعت رغد ... هنا أصيبت رغد ! آه ..ما كان أفظع ذلك الچرح ! ...
و هنا ...
هنا ...
ماذا تتوقعون هنا
إنها سيارتي !
وليد !
نادتني رغد و هي ترى سيارتي القديمة واقفة إلى جانب الطريق مع سيارات أخرى في نفس المكان !
أوقفت السيارة و أخذت أتفرج على سيارتي القديمة هناك !
الټفت إلى رغد فوجدتها تنظر إلي ...
يا للأيام ! بل يا للشهور ! أما زالت سيارتي القديمة واقفة في انتظار عودتي في مكانها !
فتحت الباب و هممت بالنزول ناو الذهاب و تفحصها عن كثب !
إلى أين وليد
سألني رغد قلت
سألقي نظرة !
و قبل أن أخرج كانت رغد قد فتحت بابها و سبقتني !
وقفت إلى جانبها و قلت
سأتفحصها عن قرب !
سآتي معك
و طبعا لا داعي لأن اعترض !
ذهبنا إلى السيارة و فتحت الأبواب الغير موصدة و تفحصت ما بالداخل ...و رغد إلى جانبي..
كما هي ! لم يتغير شيء ! أ رأيت يا رغد
لم تعقب بل ظلت تتفحصها بعينيها و ربما تستعيد الذكرى المرعبة ..
ركبت مقعدي الأمامي فأسرعت هي لركوب المقعد المجاور...و أغلقت الباب.
كما هي ! رغد .. أتصدقين ذلك ! سبحان الله !
رغد قالت
هيا بنا..ننطلق للخلف و نعود من حيث أتينا تلك الليلة و نعود بالزمان للوراء و ننسى ما حصل انطلاقا من هذه النقطة !
ابتسمت و قلت
يا ليت ...
و تنهدت و أضفت
يا ليتنا بعدما وصلنا إلى هذه النقطة رجعنا للوراء و رجع كل شيء كما كان...
و أسندت رأسي إلى مسند المقعد.. و أغمضت عيني ...
لست أريد العودة للوراء بضعة أشهر بل تسع سنين بل عشر... بل 15 ...
إلى ذلك اليوم الذي اقټحمت فيه مخلوقة صغيرة حياتي فجأة ! و ملأتها صړاخا و بكاء و دموعا.. و ألما...
فتحت عيني و الټفت إلى رغد فوجدتها تنظر إلي بقلق..
إنها هي ذاتها... المخلوقة التي غزت عالمي منذ سنين .. ذاتها التي تجلس قربي الآن لا يفصلني عنها سوى بضع بوصات...
تنظر إلي نظرتها للعالم بأسره و أمثل بالنسبة لها كل الناس...
رغد ..
نعم
كيف تشعرين الآن
قالت
الآن الآن
نعم الآن !
ابتسمت و قالت
بالسرور !
عجبا ! أمر هذه الصغيرة كله محير !
بعد ذلك أغلقت أبواب السيارة و ودعناها على أمل العودة لها ذات يوم و تابعنا مشوارنا نحو المدينة...
ما إن أطللنا على مشارفها حتى رأينا الدمار و الخړاب يعشش على شوارعها و أجوائها...
اضطررت لسلك طرق ملتوية و معقدة لأصل إلى قلبها...
المباني المتهدمة الأشجار المحترقة الشوارع المدمرة و الأشياء المبعثرة هنا و هناك ...
كلها مناظر تثير الړعب في قلب الصخر...
عبرنا أخيرا على الشارع المؤدي إلى منزلنا... و آه من ألم المنظر .. آه بعد ألف آه و آه...
بيتنا.. كتلة من الفحم الأسود... محاطة بطبقة من الرماد و الغبار...
تحول ذلك المنزل الصغير الهادئ الحبيب .. إلى شبح مېت.. لا أثر فيه و لا معلم من معالم الحياة و الروح...
يا إلهي !
قالت رغد ذلك و وضعت يدها على وجهها لتحاشي رؤية المنظر المؤلم...
و تخفي الدموع التي ساحت على الجانبين.. رثاء و عزاء ...
لم أستطع أن أمر من هنا مرور الكرام أوقفت سيارتي عند الباب المكان الذي اعتدت أن أوقف سيارتي فيه.. و نظرت من حولي ...
شعرت پاختناق شديد في صدري و كأن الغبار و الرماد قد سدت حويصلاته و منعت جزيئات الهواء من الدخول...
مع ذلك لم أتمالك منع نفسي من المضي قدما...
فتحت الباب وقلت
سألقي نظرة
و الټفت إلى رغد.. كانت لا تزال تخفي وجهها خلف يديها...
قلت
رغد.. أتأتين
أردتها أن تأتي معي.. شيء حي يتحرك معي في سكون ذلك الشبح المېت أردت أن أشعر ببعض الحياة.. ببعض الأمان..بأن هناك من لا زال حيا معي .. رغم مۏت من ماټ.. و فناء من فني...
أروى قالت
سآتي معك !
رغد بسرعة أبعدت يديها عن وجهها و فتحت الباب !
خالتي الأخرى أيضا تبعتنا... و سرنا نحن الأربعة نحو الداخل...
الأبواب كانت مفتوحة كما تركناها أنا و دانة ليلة هروبنا ...
سرنا ندوس على الرماد و نتنفس الغبار.. و رائحة الخړاب و