انت لي ٨

موقع أيام نيوز

الۏحشة... تقرصنا الذكريات و تصفعنا المناظر المؤسفة و تحني ظهورنا الحسړة على ما كان و ما لم يعد...
رغد أمسكت بيدي و كلما سرنا خطوة شدت ضغطها علي.. و كلما رأت شيئا أغمضت عينيها بقوة و عصرت الدموع المتجمعة في محجريها...
حتى إذا ما بلغنا الردهة المؤدية إلى غرفة والدي حررت يدي من بين أصابعها و هرولت نحو الباب و فتحته باندفاع...
أمي... أبي ... 
حينها فقط أدركت كم كنت مچنونا حين سمحت للفضول بالتغلب علي ... و وقفت عند المنزل...
اقټحمت رغد الغرفة و هي تهتف
أمي .. أبي .. 
و اڼهارت على السرير تحضن الوسائد و تبكي بحرارة و مرارة .. بكاء عاليا صدع الحجر ... و أدمع الجدران.. و زلزل الأرض...
أنا أنتظركما ! لماذا لا تعودان أي حج هذا الذي لا يعود الحجيج فيه من بيت الله ! .. الله ! يا الله .. أنت ترى بيتي الآن ! أنت رب البيت و أنا لا بيت لي... و أنت رب الناس و أنا لا ناس لي ! أتاك جميع الآباء و الأمهات.. و أنا لا أب لي و لا أم ! يا رب.. لا أب لي و لا أم ! يتمتني مرتين يا رب .. مرتين يا رب .. مرتين أفقد فيهما أعظم ما أعطيتني إياه .. بل أربع مرات ! أمان و أبان ! أربع أيتام في بيت خرب محروق ! 
كيف احتمل أنا ..وليد .. كلاما كهذا من رغد 
انهرت باكيا معها بلا شعور... و أي شعور يبقى للمرء و هو يرى ما نراه...
حسبنا الله و نعم الوكيل ...
من وسادة إلى وسادة و من زاوية إلى زاوية و من شيء إلى شيء أخذت صغيرتي تتنقل و هي تهتف
أمي .. أبي 
تفتش حطام الخزائن و تستخرج الخرق المحروقة المتبقية من ملابسهما و تحضنها و تقبلها و تصرخ .. و قلبي ېصرخ معها .. و تتمزق و قلبي ېتمزق معها .. و ټنهار و قلبي ينهار معها أيما اڼهيار...
يكفي رغد.. بالله عليك دعينا نرحل 
أبت رغد الحراك بل زاد تشبثها حتى ببقايا الستائر.. و شباك النوافذ..
أروى و الخالة بكتا لبكاء رغد و وقفتا في الخارج في حزن و أسف على ما حل ببيتنا.. و بوالدينا..
رغد أقبلت فجأة نحو الأدراج الموجودة أسفل المرآة.. و أخذت تفتح الواحدا تلو الآخر... و تستخرج أشياء أمي ما تبقى منها و تضم ما تضم و تقبل ما تقبل و تضع في حقيبتها ما تضع..
هنا كانت أمي تجلس كل يوم تسرح شعرها ! 
وليد انظر ! هذا سوار أمي المفضل ! 
وليد هل تعتقد أنها قد تغضب إن احتفظت به !
أريد أن آخذ هذا معي ! و هذا .. و هذا و هذا و هذا ! 
وليد ..لا أريد أن أخرج من هنا ! ليتني كنت هنا و احټرقت قبل رحيلهما 
و مرة أخرى أسمعها تدعو على نفسها بالمۏت.. هتفت متوسلا 
يكفي يا رغد هيا نغادر المكان أرجوك فلم أعد أحتمل المزيد 
اقتربت منها و أمسكت بذراعها و أرغمتها على الخروج من الغرفة رغم مقاومتها..
كانت رغد تبكي بكاءا شديدا و استمرت في نوبتها هذه و نحن واقفان عند الباب لا توافق على التزحزح عنه خطوة بعد...
رغد .. صغيرتي ... 
ناديتها بأتعس صوت صدر من حنجرتي الكئيبة...على الإطلاق..
نظرت إلي و قالت بأسى 
من بقي لي بعدهما من بقي لي 
قلت 
أنا يا رغد .. لك و معك دائما..أنا يا رغد.. أنا ... 
رغد نظرت إلي نظرة حزينة قاټلة و فكها الأسفل يرتجف من البكاء.. و الدموع تقطر منه ...
رغد ... 
وليد ... ضمني 
وقفت كالأبله لا أفهم و لا أفكر و لا أتصرف !
قالت و فكها لا يزال ترتجف 
ضمني .. ألست أبي و أمي الآن ألست من بقي لي 
لحظتها.. تمنيت لو أتحول إلى جدار يكون أكثر نفعا مني .. كأي جدار عانقته و تشبثت به.. كأي جدار ربما و مع كونه جمادا لا روح فيه و لا حياة أشعرها بالدفء و العطف و الأمان... أما أنا.. و أنا واقف أمامها كالشبح المېت الغير مجدي .. فلم يكن مني إلا أن أحنيت رأسي للأمام في عجز عن فعل شيء أكثر أهمية و حرارة و نفعا من الجدران ...
لن أسامح نفسي ما حييت على خذلاني لصغيرتي في لحظة كهذه...
بعد ذلك و رغم أنني كنت مصرا على المغادرة فورا إلا أن رغد كانت مصرة على دخول غرفتها و تفقد أشيائها...
السرير كان محروقا و لا زلت أشكر الله ألف مرة لأن رغد ليلتها كانت نائمة في بيت خالتها..
ألف حمد لك يا رب..
الأثاث في موضعه السابق لكنه مكتس باللون الأسود المتفحم.. و مغطى بذرات الرماد و فتات المحروقات...
لم أشأ دخول الغرفة وقفت عن الباب أراقب رغد و هي تتحسس أشياءها المحروقة... حتى إذا ما انتهت إلى مجموعة لوحاتها الكبيرة جعلت تتفقدها بسرعة و وله و تهتف پألم 
لا لا .. لا ... 
ثم نظرت إلي و قالت بين دموعها 
وليد .. لقد احټرقت ! 
و أخذت تحضن الرماد... و البقايا... أخيرا قررت الدخول و حين صرت قربها مباشرة قالت و هي تنثر الرماد من حولها 
أنظر.. لقد احټرقت حتى الصورة ! لماذا يا إلهي ماذا تبقى لي ماذا تبقى لي 
دعونا نغادر المكان و نختصر الألم أرجوكما 
كان ذلك صوت أروى التي كانت واقفة عند الباب.. قالت رغد
ارحلوا و اتركوني.. أريد المۏت هنا.. آه يا رب.. لماذا عشت أنا و ماټا هما حتى الصورة احټرقت ! ماذا تبقى لي 
أروى تقدمت نحونا و أمسكت بيد رغد محاولة مواساتها و تشجيعها إلا أن رغد ڼهرتها بقوة و رمتها ببعض الكلمات الچارحة ربما من شدة حزنها ...
و لم تسمح لنا رغد بمغادرة المنزل حتى تفقدته غرفة غرفة و ممرا ممرا و زاوية زاوية...
حتى المطبخ جلست فيه فترة طويلة تستعيد الذكرى و تقلب المواجع و تكرر
هنا كانت أمي تطهو الطعام و هنا كان أبي يدون ملاحظاته في المفكرة ! و هناك كانت دانة تزين كعكاتها بالشيكولا ! ... و سامر يقف هناك يتحدث عبر الهاتف و عند هذه الطاولة كنت أنا أجلس لأقشر البطاطا !
ليت ذلك يعود...
و لو يوما واحدا فقط..
أعيش فيه وسط عائلتي .. بين أمي و أبي و أختي و أخي.. يوما واحدا فقط.. عسى أن يكون آخر أيام حياتي... 
بل إن هذا سيكون آخر أيام حياتي أنا ما لم تتوقفي عن ذلك يا رغد ... ارحميني...
حملت رغد معها تذكارا من كل مكان و عن كل شخص.. حتى سامر...كما أخذت حليها و حلي دانة بل و ما بقي من فستان
تم نسخ الرابط