انت لي ١١
المحتويات
العديدة والأوراق الكثيرة من حولي... وشعرت بالتقاعس... كيف يمكنني البحث بين كل هذه الأشياء
اقتربت من المكتب ولم ألحظ ما يستدعي الاهتمام على سطحه فجلست على الكرسي خلفه وفتحت أول الأدراج وفتشت ما بداخله ثم تنقلت بين البقية واحدا تلو الآخر...
وفيما أنا أفعل ذلك فجأة سمعت صوتا مقبلا من ناحية الباب فجفلت وتسمرت في مكاني...
انكتمت أنفاسي من الفزع وتلاحقت نبضات قلبي... وكاد شعر رأسي يقف من الذعر...!
رغد!
لقد كان صوت وليد!
سحبت يدي من الدرج الذي كنت أفتشه ووضعتها تلقائيا على صدري وأطلقت نفسا طويلا...
وليد تأملني وهو واقف عند فتحة الباب ويده ممسكة بمقبضه ووجهه يكسوه الاستغراب والقلق...
ماذا تفعلين هنا وفي هذا الوقت!!
نبعت قطيرات من العرق على جبيني من شدة فزعي وازدردت ريقي وتأتأت ولم أجد جوابا...
ولما رأى اضطرابي قال
هل أفزعتك
أومأت برأسي نعم فأقبل نحوي حتى صار جواري وهو محملق بي باستغراب وحيرة...
ثم قال
أتبحثين عن شيء
جمعت بعض الكلمات المبعثرة على لساني وقلت
أممم لا... أعني... لا شيء... لقد كنت...
ولم أستطع التتمة...
وليد مد يدم وأمسك بيدي اليمنى المجبرة بلطف وقال
هوني عليك... هذا أنا ليس إلا!
وبعد أن هدأت أنفاسي من فزعها وانتظمت خفقات قلبي ولاحظ وليد استرخائي قال
حسنا... عم كنت تبحثين
شعرت بالخجل ولم أجرؤ على إجابته... ماذا أقول له!..
سحب وليد يده عن جبيرتي وانثنى أمامي ومد يده إلى أحد الأدراج واستخرج منه شيئا وضعه على المكتب مباشرة أمامي قائلا
عن هذه
وإذا بها الأوراق التي كنت أفتش عنها ومعها قلمي الړصاصي...
تسلقت الډماء الحمراء أوداجي ورشت على وجهي صبغا شديد الاحمرار...
وسكنت عن أي كلام وأي حركة..
وليد بقي واقفا يراقب تقلبات لوني ولا أعرف ماذا كان يقول في نفسه...
وأخيرا قال
لم لم تنتظري حتى الصباح أو تطلبيها مني
حينهها نطقت بارتباك
أأأ... طرأت... في بالي الآن.
وليد عاد ومد يده وأخذ الأوراق من جديد وقال
هلمي بنا إلى النوم... ينتظرنا سفر ومشقة.
وسار مبتعدا... والأوراق في يده!
هتفت
لوحاتي!
فالټفت إلي وليد... ثم أمال إحدى زاويتي فمه للأعلى وهو ينظر إلي نظرة قوية ويقول
سآخذها إلى غرفتك! لا تخافي.
وسبقني إلى غرفتي... تنفست الصعداء... ثم سرت خلفه بعكازي ببطء... وعند الباب تقابلنا وجها لوجه... هو يهم بالخروج وأنا أهم بالدخول...
بالضبط في طريق خطوات بعضنا البعض لكن أيا منا لم يتنحى عن طريق الآخر...
رفعت نظري إليه فإذا به ينظر إلي...بعمق وغموض... وجسده يحجب النور عني وظله يغطي جسدي... كالشجرة الخرافية الممتدة إلى السماء...
حاولت أن أهرب من نظراته... وأن أبتعد عن طريقه... ولم أفلح...
كنت كالأسيرة المقيدة المربوطة بإحكام إلى جذع الشجرة... ونظراته كانت قوية وثافبة...كتلك النظرات التي كانت معلقة في سقف غرفتي... في بيتنا المحروق... تراقبني وتخترقني كل حين...
رأيت على طرف لسانه كلاما يوشك أن يقوله... أكاد أجزم بأن بعض الحروف قد تساقطت منه...
لكن وليد زم شفتيه وعض على أسنانه وتنهد ثم قال أخيرا
تصبحين على خير.
وغادر الغرفة...
الرجاء متابعة الصفحة ليصلك باقي القصة...........
انت لي.........
الخيار المستحيل
استقبلنا العم إلياس استقبالا حميما جدا... مليئا بالعناق والقبل... فقد كان غيابنا طويلا وبقي العجوز وحيدا بعيدا عن أخته وابنتها اللتين لم يسبق له فراقهما...
كانت خطتي المبدئية هي أن نأتي جميعا إلى المزرعة فقد تساعد الأجواء هناك على تحسين الأوضاع النفسية لنا...
وإن رفضت رغد البقاء هناك وهذا ما أتوقعه كنت سأخذها إلى بيت خالتها وأقضي في المزرعة بضعة أيام...
مخاۏفي الأولى كانت في ردود فعل عائلة أم حسام تجاه إصابة رغد والتي لم تذكر لهم شيئا حتى الآن...
بضع أيام في المزرعة هي كافية لتجديد نشاطي وطرد هموم صدري...
أزور أثناءها شقيقي سامر وأقنعه بالمجيء للعمل معي في المصنع ونعود نحن الثلاثة إلى منزلنا الكبير...
كان هذا ما أتمنى حصوله وأجهل ما الذي ستؤدي إليه الأقدار مستقبلا...
أروى غاية في البهجة وتكاد تقبل حتى الأشجار من شدة الشوق والحنين والخالة لا تقل عنها فرحا...
أما الفتاة الواقفة خلفي فهي تسير بعكازها خطوة للأمام وخطوة للخلف رافضة دخول المزرعة...
انطلقت أروى تعدو بين الأشجار كالفراشة... ونشرت الخالة بساطا قماشيا على العشب بجانب مدخل المنزل... وجلست عليه ومددت رجليها باسترخاء...
وذهب العم إلياس يقطف بعض ثمار العنب ثم غسلها وجلبها إلى البساط وأشار إلينا
تعالوا... تذوقوا.
الوقت كان ليلا... والنسيم كان عليل جدا والهواء غني بالأوكسجين النقي الذي يبث الحيوية والانتعاش في البدن... وكم نحن بحاجة إليها...
تعال يا وليد... إنه لذيذ جدا... تفضلي يا آنسة رغد.
دعانا العم إلياس بسرور إلى وجبة العنب الطازجة...
الټفت إلى رغد التي تقف خلفي مترددة وقلت
تعالي رغد.
الإنارة كانت خفيفة منبعثة رئسيا من المصباح المعلق عند مدخل باب المنزل...
لكنها سمحت لي برؤية الاعتراض على وجه رغد.
خاطبتها
رغد... ما الأمر
أفصحت
تعرف... لا أريد المبيت هنا.
اقتربت منها أكثر حتى أخفض صوتي وأضمن عدم وصوله لمسامع الآخرين...
أرجوك يا رغد... لا تحرجيني مع العائلة... تحملي قليلا من أجلي.
قالت
لكن...
ولم تتم فقلت
بالله عليك... على الأقل لهذه الليلة... نرتاح من عناء السفر ونقابل كرم المضيفين بحسن الذوق...
لا يمكننا أن نخرج هكذا فجأة دون اعتبار للأدب واللياقة... أنا أرجوك بشدة يا رغد.
واستجابت رغد لرجائي الملح... وسارت معي حتى حتى جلست على طرف البساط ببعض المشقة... وأقتربت أنا من سلة العنب وأخذت لي ولها شيئا منه...
وكان بالفعل لذيذ جدا...
تبادلت والعم إلياس أحاديث خفيفة متنوعة وشعرت بارتياح شديد قلما أشعر به مع شخص غيره...
والعم كان من الأدب بحيث إنه لم يسأل عن تفاصيل ما أصاب رغد حين رآها بالعكاز بل اكتفى بحمد الله على سلامتها...
قضينا نحو الساعة جالسين على البساط نتناول العنب حتى أتينا على آخره...
سمعت بعد ذلك رغد تهمس لي
لا أستطيع الجلوس هكذا طويلا... أصاب الإعياء رجلي.
قلت
حسنا... هل تودين الذهاب إلى الداخل
سألتني
ماذا عنك
أجبت
أود البقاء هنا فالجو رائع جدا... وقد أبيت الليلة على هذا البساط!
وابتسمت للتعجب الذي ظهر على وجه الصغيرة ثم نهضت ونهضت هي معي واستأذنا للدخول إلى المنزل...
ساعدت رغد على صعود العتبات ورافقتها إلى غرفتها ثم توليت حمل الحقائب إلى الداخل وتأكدت من أن كل شيءمهيأ لها وتركتها لتسترخي...
عدت إلى الخارج واستلقيت على البساط وبدأت أملأ رئتي من الهواء النقي...
أغمضت عيني في استرخاء تام... وكنت أسمع أحاديث العم والخالة المرحة...
وربما من شدة استرخائي غفوة لفترة من الزمن...
صحوت بعد ذلك على أصوات أشخاص يتحدثونوحين فتحت عيني رأيت العم والخالة وأروى جالسين على مقربة مني وملتفين حول صينية الشواء... ورائحة المشويات تملأ المكان.
قال العم
ها قد نهض وليد... نوم العافية... تعال وشاركنا.
جلست ونظرت إلى الجمر المتقد وقلت
آه... أما زال لديكم طاقة بعد السفر!
رد العم
وهل ستنامون دون عشاء اقترب بني.
وجلست معهم أملأ أنفي بالرائحة الطيبة...
أروى كانت تتولى تقليب المشاوي بهمة... وكانت قد أطلقت شعرها الطويل لنسمات الهواء...
وعندما هب نسيم قوي حمل خصلة منه نحو الجمر فحركت يدي بسرعة لإبعاده وأنا أقول
انتبهي.
لا أعرف إن كان العم لا حظ وجود شحنة بيني وبينها أم لا...
والخالة سرعان ماتدخلت وأعدت الطبق المنشود وبنفسها حملته إلى غرفة رغد غير أنها عادت به بعد قليل وأخبرتنا أن الفتاة نائمة.
بعد وجبة غنية كهذه قمت أتمشى في المزرعة وأحرك عضلاتي... غبت طويلا ولما عدت صوب المنزل لم أر غير أروى
متابعة القراءة