انت لي ١١

موقع أيام نيوز

أن أستطيع التخلي عنه.. أو حتى تخيل العيش بدونه..
عند الخامسة أتى وليد لحمل حقيبة سفري.. وتبعته إلى الخارج.. كان يسير وأسير على ظله الطويل.. شاعرة برغبة مچنونة بأن أرتمي عليه..
وصلنا إلى السيارة وأدخل وليد الحقيبة فيها.. وفتحت أنا الباب الخلفي لكي أجلس وأسلمه العكاز ليضعه مع الحقيبة..
وليد قال وهو يفتح باب المقعد الأمامي المجاور لمقعد السائق
اركبي هنا يا رغد.
نظرت إليه مستغربة.. فقد اعتدت أن أجلس خلفه... وهذا الموضع صار من نصيب الشقراء الدخيلة...
قال وليد معللا
فالمكان أوسع وأكثر إراحة لرجلك.
وكانت هذه السيارة أهداها سامر لوليد قبل أشهر والتي اصطدمنا فيها بعمود الإنارة في ذلك اليوم الممطر.. وهي أصغر حجما من سيارة وليد الجديدة التي يستخدمها في المدينة الساحلية..
أذعنت للأمر ولما جلست تناول هو عكازي ووضعه على القاعد الخلفية ثم أقبل وجلس خلف المقود وأدخل يده في جيبه وأخرج هاتفه ووضعه على المسند وتفقد جيبه الآخر ثم الټفت إلي وقال
انتظريني رغد... نسيت شيئا.. سأعود حالا.
وغادر السيارة عائدا أدراجه إلى المنزل...
انتبهت إلى أنني لم أحمل محفظتي معي.. وكنت قد تركتها على المنضدة في غرفتي منذ البارحة.. وقد حملت فيه مبلغا ماليا لأعطيه لرغد لتنفق منه أثناء إقامتها في بيت خالتها...
تركت رغد في السيارة وذهبت لإحضار المحفظة.. وفيما أنا في الغرفة أتتني أروى..
كانت تتحاشاني نهائيا منذ قدومنا.. عدا عن خصامها لي منذ أيام..
وكانت أخر مرة تحدثنا فيها ولو قليلا هي ليلة حفلة عشاء رغد.. والتي لم تدع لي المجال لأي حديث معها بعدها... وبدوري لم أتعمد ملاحقتها أو الضغط عليها.. أردت أن نأخذ هدنة ليومين أو ثلاثة.. نتنفس الصعداء ونسترخي في المزرعة.. ثم نعود لمناقشة أمورنا من جديد...
عندما رأيتها وقفت برهة ولم أتكلم..
إذن.. ذاهبان الآن
بادرت هي بالسؤال فأجبت
نعم.
ظهر عليها التوتر ثم قالت
وهل ستمكث هناك
أجبت
سأبقى لبعض الوقت ثم أذهب إلى شقيقي..
سألت
ومتى ستعود
أجبت
غدا مساء على الأرجح.. أريد قضاء بعض الوقت مع شقيقي فنحن لم نلتق منذ فترة.
ظهر مزيد من التوتر على وجه أروى..
سألتها
أهناك شيء
سارت أروى نحوي حتى صارت أمامي..
قالت
وليد أنا... أنا...
ولم تتم إنها مترددة.
ما الأمر
تشجعت قليلا وقالت
أنا.. أعتقد أنك لا يمكن أن ټقتل شخصا دون سبب قوي جدا..
وصمتت..
أدهشني كلامها بادئ ذي بدء... فأنا لم أتوقع أن يبدأ الحديث بيننا بهذا الموضوع بالذات بين كل المواضيع العالقة والأكثر أهمية.. لكن الواضح أنه أول ما يشغل تفكير أروى..
تابعت
أخبرني خالي.. بأن أبي رحمه الله.. كان يقول عن عمار إنه شخصا سيئا..
وأن عمي عاطف رحمه الله قد أخفق في تربيته.. وأنه أي أبي.. كان يشعر بالعر منه.
حبست نفسي لئلا أتفوه بسيل منجرف من الشتائم..سئ فقط أنت لا تعرفين من كان ابن عمك الذي تتحرقين شوقا لمعرفة سبب قتلي إياه.. وكأنه ضحېة بريئة..
تابعت
حسنا.. أنا لن أسألك عن السبب ثانية.. واخف عني ما تريد إخفاءه بالنسبة لموضوع عمار... لكننا يجب أن نتناقش بموضوع رغد.
أثارني ذكر رغد.. فقلت بلهفة
رغد
أروى أكدت
نعم رغد... الوقت غير مناسب الآن..
أقلقتني جملتها في وقت كنت أنا فيه قلق ما يكفي ويزيد... خصوصا مع حالة رغد الجديدة اليوم.. وخطړ ببالي أنهما أي رغد وأروى ربما تشاجرتا معا من جديد..
فعدت أسأل
ماذا عن رغد
ألقت علي أروى نظرة قوية التعبير ثم أجابت
الحديث يطول.. وأنت على وشك المغادرة.
فنظرت إلى ساعة يدي ثم قلت مستسلما
حسنا.. عندما أعود غدا.. نتحدث.
وفي رأسي فكرة تقليص فترة الهدنة بما أن أروى قد بادرت بالحديث معي..
أروى أخذت تحرك رأسها اعتراضا ثم إذا بها تقول
أرجوك أن.. تبقى مع شقيقك بضعة أيام.
فوجئت بطلبها.. الذي جاء عكس استنتاجاتي.. ولما رأت تعبيرات الدهشة على وجهي قالت مبررة
أريد ألا نتقابل لبعض الوقت.. لا تسئ فهمي.. من الأفضل أن نرخي أعصابنا حتى نفكر بهدوء..
أصابني طلبها بچرح.. ولكني تظاهرت بعدم التأثر وقلت
فهمت..
وتذكرت آنذاك أنني كنت قد وعدت عمي بمرافقته في مشوار مهم يوم الغد بشأن المزرعة..
إذن سأعتذر لخالك عن العودة.. وأحمل بعض الحاجيات.
وذهبت للبحث عنه ووجدته في المطبخ يساعد الخالة ليندا في تنظيف السمك..
أخبرته بأنني سأقضي بضعة أيام مع شقيقي واعتذرت عن مرافقته.. وودعته هو والخالة بوجه مبتسم..
عدت بعدها إلى غرفتي وحملت حقيبتي الصغيرة التي أتيت بها إلى الجنوب وفيها بعض ملابسي وحاجياتي... وأعدت الأشياء التي كنت قد استخرجتها منها.. وبينما أنا مشغول بها سمعت صوت أروى تناديني..
وليد.
عندما الټفت إليها رأيتها واقفة عند الباب ووجهها يبدو حزينا وممتقعا.. ولمحت دمعة تنساب من عينها..
سألت بقلق
ما بك الآن
وكان جوابها بأن أقبلت نحوي.. ووضعت رأسها في حضڼي وطوقتني بذراعيها بحرارة..
تأخر وليد!
قال إنه نسي شيئا وسيعود في الحال.. وتركني جالسة في السيارة والتي لم يشغل محركها ولا مكيفها!
شعرت بالحر والاختناق ففتحت باب السيارة أتنفس الهواء الطلق.. وبعد دقائق داهمني الشعور بالقلق.. لماذا تأخر وليد
خرجت من السيارة واستخرجت عكازي منها وذهبت كي أتفقده..
ذهبت مباشرة نحو غرفته ورأيت الباب مفتوحا.. ولم يكن علي إلا أن ألقي نظرة عن بعد عبر فتحه حتى أرى حبيب قلبي يعانق أكثر فتاة كرهتها في حياتي.. على الإطلاق..
الصورة أعشت عيني.. وخدرت أصابعي.. ومزقت بقية أربطة مفاصلي فتفككت وانفصمت مفصلا مفصلا..
انسحبت أجر أطرافي جرا وأتخبط في سيري حتى بلغت الباب الرئيسي وخرجت إلى الشمس دون أن أرى شيئا..
شعرت بالعتمة تلون كل ما حولي.. وبمفاصلي المنفصمة تخر هاوية..
أمسكت بالباب أنشد دعمه لكنه أرجحني معه.. وحتى عكازي.. خانني في آخر لحظة وسلمني أسيرة الوقوع أرضا..
ربما رق الحجر لحالي لم أشعر بأي ألم.. أو ربما البنج الذي سببته الصدمة لي أتلفت أعصابي الحسية.. فما عدت أشعر بأي شيء.. أي شيء..
ثوان وإذا بالباب يتحرك ومن خلفه يطل الرجل الطويل.. العملاق الذي أحبه..
والذي رغم كل السواد.. والظلام والعتمة.. استطعت رؤيته.. والذي فور رؤيتي له تدفق الڼزيف من قلبي مجتاحا كل المشاعر..
كان يتكلم.. لكنني لم أسمعه.. ثم رأيته يجلس على العتبة قربي ويمد يده إلى عكازي.. ويقربه مني..
ماذا يقول هذا الرجل ماذا يطلب مني هل يريد أن أقف ألا يرى مفاصلي مفككة ألا يرى عضلاتي مشلۏلة ألا يرى الډماء ټغرق جسدي ألا ترى كل ذلك يا وليد ألا ترى كل ذلك
أسنتدت رأسي إلى الجدار.. وأغمضت عيني.. وتمنيت ألا أفتحهما بعد الآن أبدا..

تم نسخ الرابط