انت لي ١١
المحتويات
رسم اللوحة
نظرت إلى وجهها بتشتت... و هو مغمض العينين و كأحجية غامضة و مقفلة الحلول...
أي لوحة بعد
قلت
أي لوحة
رغد حركت يدها المجبرة ثم قالت
لكنني رسمتها في قلبي... حيث أعيد رسمها كل يوم... و حتى لو لم أستطع المشي... احملني على كتفيك... أريد أن أطير إلى أمي
ثم اكفهر وجهها و قالت
آه... أمي...
و صمتت فجأة...
بعد كل ذلك الجنون... و الهذيان... صمتت الصغيرة فجأة و لم تعد تتحرك... حملقت في وجهها فرأيت قطرة يتيمة من الدموع الحزينة... تسيل راحلة على جانب وجهها ثم تسقط على الوسادة ... فتشربها بشراهة... و تختفي...
ناديتها و لم ترد... ربت عليها بلطف فلم تحس... هززتها بخفة ثم ببعض القوة فلم تستجب... خشيت أن يكون شيئا قد أصابها فجأة... فقد كانت قبل ثوان تصرخ ثائرة و الآن لا تتحرك... و لا تستجيب... ناديت بصوت عال
أيها الطبيب... أيتها الممرضة...
و كان الاثنان يقفان خلف الباب و سرعان ما دخلا و أقبلا نحونا
قلت هلعا
أنظرا ماذا حدث لها... إنها لا ترد علي...
الطبيب و الممرضة اقتربا لفحصها فابتعدت لأفسح لهما المجال... أوصل الطبيب جهاز قياس النبض بإصبع رغد و تفحصها ثم أمر الممرضة بإعادة غرس أنبوب المصل في أحد عروقها فباشرت الممرضة بفعل ذلك دون أي مقاومة أو ردة فعل من رغد... الأمر الذي ضاعف خۏفي أكثر فأكثر...
جلبت الممرضة عبوة مصل أخرى و جعلت السائل يتدفق بسرعة إلى جسد رغد ثم أعادت فحصها و قياس ضغط ډمها... و خاطبت رغد سائلة
هل أنت بخير كيف تشعرين
رغد عند هذا فتحت عينيها و نظرت إلى الاثنين و كأنها للتو تدرك وجودهما فعبست و قالت زاجرة
ابتعدا عني
لكنها كانت مستسلمة بين أيديهما.
سألتها بدوري في قلق
رغد هل أنت بخير
فردت و هي تشيح بوجهها و تحرك يدها المصاپة
ابتعدوا عني... دعوني و شأني... متوحشون... آه... يدي تؤلمني
استدرت إلى الطبيب و الذي كان يتحسس نبض رسغها الأيسر و سألت
ما حل بها... طمئني
أجاب
ضغطها انخفض... لكن لا تقلق سيتحسن بعد قليل
سألت مڤزوعا
ضغطها ماذا انخفض لماذا طمئني أرجوك هل هي بخير
نظر إلي نظرة تعاطف و طمأنة و قال
اطمئن. سيتحسن بسرعة. إنها نزعت الأنبوب من يدها فجأة... و كان المصل يحتوي مسكنا للألم يجب أن يخفف بالتدريج كي لا يسبب هبوطا مفاجئا في ضغط الډم. الوضع تحت السيطرة فلا تقلق
و كيف لا أقلق و أنا أرى من أمر صغيرتي العجب
قلت مستميتا إلى المزيد من الطمأنة
كانت غير طبيعية البتة... ألا تظن أنه ربما أصيب رأسها بشيء... إنها تهذي و تتصرف على غير سجيتها... أرجوك تأكد من أن دماغها بخير
قال الطبيب
نحن متأكدون من عدم إصابة الرأس بشيء و الحمد لله. لكن الواضح أن نفسيتها متعبة من جراء الحاډث و هذا أمر ليس مستبعدا و يحدث لدى الكثيرين.. تحتاج إلى الدعم المعنوي و أن تكونوا إلى جانبها
قلت متفاعلا مع جملته الأخيرة
إنها لا تريد منا الاقتراب منها
و كأن رغد لم تسمع غير تعقيبي هذا فالتفتت إلينا و قالت
دعوني و شأني
ثم سحبت يدها من يد الطبيب و أمسكت باللحاف و خبأت رأسها تحته كليا...
و طلبت منا أن نخرج جميعا و هذت بكلمات چنونية لم أفهم لها معنى...
نظرت إلى الطبيب بقلق شديد
أظنها جنت... يا دكتور.. افعل شيئا أرجوك... ربما جنت !
قال
كلا كلا... لا سمح الله. كما قلت نفسيتها متعبة... سأعطيها منوما خفيفا
و بقيت رغد على حالها و سمعتها تقول و وجهها مغمور تحت اللحاف
لا تعدها إلى بيتنا ثانية... لا أريد أن أراها ... أبدا
و كررت و هي تشد على صوتها
أبدا... هل تسمعني أبدا
و لما لم تسمع ردا قالت
هل تسمعني وليد إلى أين ذهبت
لقد كانت تخاطبني من تحت اللحاف... و أنا لا أعرف إن كانت تعني ما تقول...
قلت و أنا أقترب لأشعرها بوجودي فيما صوتي منكسر و موهون
أنا هنا... نعم أسمع... حاضر... سأفعل ما تطلبين... لكن أرجوك اهدئي الآن صغيرتي... أرجوك فما عاد بي طاقة بعد
قالت
إنها السبب
أثار كلامها اهتمامي... سألتها
ماذا تعنين
و لم ترد...
فقلت
أ تعنين أن أروى...
و لم أتم جملتي إذ أنها صړخت فجأة
لا تذكر اسمها أمامي
قلت بسرعة و توتر
حسنا حسنا... أرجوك لا تضطربي
فسكنت و صمتت قليلا... ثم سمعتها و للذهول تقول
أريد أمي
شقت كلمتها قلبي إلى نصفين...
الممرضة سألتني
أين والدتها
فعضضت على أسناني ألما و أجبت بصوت خاڤت
متوفاة
حركت رغد رأسها من تحت اللحاف و راحت تنادي باكية
آه... أمي... أبي... عودا إلي... لقد كسروا عظامي... هل تسمحان بهذا أنا مدللتكما الغالية... كيف تتركاني هكذا... لا استطيع النهوض... آه... يدي تؤلمني... ساعداني... أرجوكما... لا تتركاني وحدي... من لي بعدكما... عودا إلي... أرجوكما... عودا...
الغرفة تشبعت ببخار الدموع المغلية التي لم تكد تنسكب على وجنتي حتى تبخرت ... والتنفس أصبح صعبا داخل الغرفة المغمورة بالدموع...
طلبت بنفسي من الطبيب إعطاءها المنوم الجديد في الحال... حتى تنام و تكف عن النحيب الذي أفجع كل ذرات جسمي... و قطع نياط قلبي... و أثار حزن و شفقة حتى الجدران و الأسقف... و بعد أمره أعطتها الممرضة جرعة من المنوم الذي سرعان ما أرسل رغد في دقائق إلى عالم النوم...
و كم تمنيت لو أن جرعة أخرى قد حقنت في أوردتي أنا أيضا...
قالت الممرضة
ها قد نامت
ثم أعادت قياس ضغط ډمها مجددا و طمأنتني إلى أنه تحسن... كما أن الطبيب أعاد فحص نبضها و أخبرني بأنه على ما يرام...
بقي الاثنان ملازمين الغرفة إلى أن استقر وضع رغد تماما ثم خرج الطبيب و ظلت الممرضة تسجل ملاحظاتها في ملف رغد...
وجه رغد كان لا يزال مغمورا تحت اللحاف و خشيت أن يصعب تنفسها فسحبته حتى بان وجهها كاملا... و مخسوفا
كان... كتلة من البؤس و اليتم... يصيب الناظر إليه بالعمى و يشيب شعره... و آثار واهية من الكدمات تلون شحوب وجنتيه الهزيلتين...
قالت الممرضة و هي ترى التوتر يجتاحني و أنا أتأمل وجه الفتاة
تبدو محبطة جدا... من المستحسن أن تأتي شقيقاتها أو المقربات لديها لتشجيعها. الفتيات في مثل هذا السن مفرطات الإحساس و يتأثرن بسرعة حتى من أتفه الأمور فما بالك بإصابة بالغة..!
أي شقيقات و أي قريبات ! أنت لا تدركين شيئا...
ثم تابعت تكتب في الملف و أنا قابع إلى جوار رغد أتأمل كآبتها و أتألم...
خاطبتني الممرضة
عفوا يا سيد و لكني لاحظت شيئا... أريد التأكد... إذ يبدو أن هناك خطأ في معلومات الكمبيوتر... هل اسم والدكما هو شاكر أم ياسر
متابعة القراءة