انت لي١٣

موقع أيام نيوز

أنا أقلب صفحات الكراسة وهي تلقي بتعليق على الصفحات من حين لآخر... لا شيء غير ذلك... لا شيء أقرب من ذلك... أخفي ما يدور في رأسي خلف صفحات الكراسة... احاول أن أتحدث عن شيء خارج حدود الصفحة ولا أجرؤ...
يا ترى... ما الذي تفكرين به الآن أنت يا رغد
على الورقة التالية وجدت ورقة ملاحظات صغيرة ملصقة على الصفحة المقابلة للرسمة... وكان مكتوب عليها وبخط صغير ومرتب كلمات مختصرة فهمت منها أنها تعليق على الرسمة المقابلة..
كانت الرسمة بالفعل خلابة... تفوق ما سبقها روعة... أخذت أتأملها مطولا... ورغم أنني لا أفهم في فن الرسم شيئا.. إلا أنني انبهرت بها تماما...
قلت
بالفعل رائعة! ما شاء الله.
ابتسمت رغد وتورد خداها قليلا ثم قالت
هذه الأجمل بين المجموعة... حسب شهادة الخبراء.
الټفت إليها وسألت
الخبراء
فقالت وهي تشير إلى ورقة الملاحظات الملصقة على الصفحة المقابلة
هل قرأت هذا
قلت
نعم. أهي إحدى مدرساتك في الجامعة
ابتسمت رغد وقالت
لا! إنه الرسام عارف... فقد اطلع على رسومي في هذه الكراسة وأبدى ملاحظاته.
كدت أوقع قدح الشاي من يدي وأسكبه على هذه الصفحة بالذات... فوجئت... وتسمرت عيناي على ورقة الملاحظات... وعبثا حاولت إبعادهما عنها...
ماذا تعنين يا رغد تعنين أن عارف... عارف هو الذي كتب هذا عارف أمسك بكراستك هذه... وتأمل رسماتك كيف تجرأت على اقتراف هذا يا رغد
الټفت إليها أخيرا... وبدأ الشرر يتطاير من عيني... لكن عينيها كانتا تحملقان في ورقة الملاحظات... والبهجة مشعة على وجهها...
وضعت كوب الشاي جانبا... وشددت على قبضتي غيظا... ثم سألت
و... وكيف شاهد الأستاذ كراستك
فأجابت
أعطيتها لمرح قبل يومين وأعادتها إلي اليوم.
ازدرت ريقي وابتلعت حنقي معه وتظاهرت بالتماسك وقلت
لكن... لماذا أهي فكرتك
أجابت رغد
فكرة مرح! إنها كانت تصر علي بأن تعرض لوحاتي على شقيقها الفنان منذ مدة... تقول أنها واثقة من أنها ستعجبه وسيرحب بعرضها في أحد معارضه ذات يوم... وأخذت كراستي كعينة.
عضضت على شفتي وقلت
و... ما رأيك أنت
فقالت بسرور واضح
إذا رسمت لوحة مميزة فلا أحب إلي من أن تعرض ضمن مجموعة لفنان مبدع! سيكون هذا نجاحا كبيرا لي!
وكانت عيناها تبرقان سرورا...
قلت غير قادر على تحمل المزيد
يبدو... يبدو... أنك... مبهورة بالفنان عارف المنذر... ألست كذلك
وانتظرت إجابتها وأعصابي تحترق من الغيظ... رغد رفعت بصرها من الكراسة ونظرت إلي... ثم طأطأت رأسها وتوهجت وجنتاها واضطربت تعبيراتها...
ماذا تعنين بربك يا رغد كيف تجرئين
تبا! أي مصېبة ألقت بك علينا أيها العارف ومن أين خرجت
أنا لا أسمح لك بهذا يارغد...
أغلقت الكراسة لأنني لم أستطع تحمل شيء بعد... وبدا الاضطراب على أصابع يدي... لم أقو على كبت مشاعري أكثر... كيف... وأنا أقرأ الإعجاب في عين فتاتي برجل ما... أيا كان
مددت يدي حتى أمسكت بيدها... وشددت عليها... رغد حملقت بي... وكسا الجد وجهها... رمقتها بنظرات مزجت الغيظ والعتاب والرفض والتوسل... لا أدري إن كانت رغد فهمت أيا منها... تجرأت أخيرا وقلت
رغد... لا بد... وأنك... تعرفين أنه... طلب يدك مني.
وتفحصت تعبيراتها بالتفصيل... هربت بناظرها عني... وعلاها الارتباك... وحاولت سحب يدها مني... فشددت عليها أكثر... وقلت
إذن...
وتأملتها بتركيز شديد... لم تقل شيئا... ولم تحرك ساكنا... غير أن توهج وجهها تفاقم... ما أشعرني بالأمر أكثر فأكثر... فشددت على يدها بقوة أكبر... علها تحس بما أعانيه... هذه الحبيبة الخائڼة...
قلت
ما هو موقفك يا رغد... أخبريني
لكنها لم تتفوه بشيء ولم تنظر إلي... أجيبيني يا رغد أرجوك... قولي أنك لا تفكرين في شيء كهذا... وأنك ترين في العالم رجلا غيري أنا... أريحيني أرجوك!.
ولما لم تجب... أرسلتني الأفكار إلى الجنون...
قلت بنيرة عڼيفة وقد تفجر الڠضب في صوتي
تكلمي يا رغد... أطلعيني على ما تفكرين به الآن.
نبرتي القوية أخافت رغد.. فألقت نظرة وجلة ثم حاولت تحرير يدها من قبضتي وقالت بتوسل
أرجوك... اتركني.
وأرادت الوقوف والهرب بعيدا... غير أنني لم أطلق سراح يدها ووقفنا معا... هي تحاول الابتعاد وأنا أعيق تحركها...
أرجوك وليد..
قلت مباشرة
أرجوك أنت... أطلعيني على ما يدور في رأسك.
قفزت دمعة فجأة من عين الصغيرة واجتاحها الحزن...
حرت في تفسير موقفها... قلت
أنا من لم يعد يفهمك... ماذا تريدين بمن تفكرين
صاحت رغد ووجهها ينكمش
لا أحد...لا شيء... أنا لا أريد أن أتزوج أصلا... أبدا... أنت لن تفهمي..
وسحبت يدها... وسارعت بالتقاط عكازها ومغادرة المطبخ...
رميت بثقل جسمي على الكرسي... وأسندت رأسي إلى الطاولة... وزفرت زفرة طويلة...
وهذا الموقف العصيب... لم يزد العلاقة بيننا إلا برودا وتباعدا ... وبعد أن كنا نلتقي على الأقل على مائدة الطعام صرنا لا نلتقي إلا في السيارة... وأنا أقلها ذهابا وعودة إلى ومن الجامعة.
أما الأحاديث التي بيننا فقد تضاءلت لحد التلاشي... ولم نعد نكلم بعضنا البعض غير كلمة أو اثنتين في اليوم الواحد.
كان مأزقا شديدا جدا... أثقل كاهلي وأحنى ظهري... إلا أن الورطة التي تلته... تخطت كل شدة وتجاوزت كل حدة... إنها الکاړثة التي قصمت ظهري نهائيا...
كانت ليلة أربعاء... وكنت مستلق في غرفة المعيشة على وشك النوم حين وردتني مكالمة هاتفية هيجت كل خلايا اليقضة في دماغي وغيرت مجرى حياتي مائة وثمانين درجة... على الفور...
كان المتصل أبا حسام... وهو لم يتصل بي منذ فترة.
في البداية تجاهلت الاتصال.. فقد كنت أريد الاسترخاء بعيدا عن أي مؤثر خارجي... غير أن إلحاح المتصل... أثار فضولي.
مرحبا..
أجبت فتحدث أبو حسام مباشرة
مرحبا يا وليد. كيف حالك أين أنت.
أقلقتني نبرته وسؤاله... فقلت
خيرا
وفوجئت به يقول
هل أنت في المنزل الآن أنا عند الباب.
ماذا!!
عند الباب
سألت مندهشا فأجاب
نعم. فإذا كنت موجودا فافتح لي فهناك ما جئت أخبرك عنه.
هببت جالسا بهلع... وسألت
ما الأمر
فقال
دعني أدخل أولا.
وبسرعة ذهبت إلى الفناء وفتحت الباب فوجدت أبا حسام يقف أمام مرآي...
انتابني الهلع... فوجوده وفي مثل هذا الوقت وبهذه الحال ينذر بالخطړ...
قدت الرجل إلى الداخل...وكان يسير بحذر... وذهبنا إلى المجلس الرئيسي وأنا بالكاد أسيطر على ذهولي...
بمجرد أن جلس على المقعد وقبل أي كلام آخر سألته
ماذا هناك
أبو حسام تلفت يمنة ويسرة... وكأنه يريد أن يستوثق من أن أحدا لا يسمعنا... وكان الجد مجتاحا قسمات وجهه بشكل مخيف...
لطفك يا رب...
تحدث أخيرا وقال
هناك أمر خطېر يجب أن تعرفه وتتصرف حياله فورا يا وليد.
أفزعتني الجملة فحملقت به بأوسع عيني... وقلت
أي أمر
قال وهو يخفت صوته
المصادر التي حصلت منها على المعلومات موثوقة مائة في المائة. وأنا أخاطر بإفشائها لك... وقد أتيت سرا لأبلاغك... يجب أن تعيها جيدا وتتصرف حيالها بمنتهى الحذر... وبمنتهى السرعة.
قلت مضطربا
جففت حلقي يا عم... أخبرني ماذا هناك
وهنا قرب أبو حسام رأسه مني وقال بصوت حذر
يتعلق الأمر... بشقيقك.
توقف قلبي عن النبض فجأة... وصدري عن التنفس... واجتاحني فزع مهول... رفعت يدي إلى صدري وقلت بفزع
ما به شقيقي
أبو حسام ركز أنظاره على وجهي وكأنه يقيس مدى الفزع فيه... ثم سأل
أهو هنا
فقلت باضطراب
لا... لكن مابه شقيقي أرجوك أفصح هل أصابه شيء
هز أبو حسام رأسه بنفي ممزوج بالأسف... ثم قال
ليس بعد... لكنه على حافة الخطړ...
ثم استنشق نفسا قويا من فمه وزفره أسفا ثم قال
هل تابعت خبر محاولة اغتيال الوزير... الذي نفذته المنظمة المتمردة قبل أيام
أجبت بنظرة من عيني... تابع بعدها أبو حسام قائلا
أخوك... متورط مع هذه المنظمة... وشارك في العملية بكل تأكيد.
جفلت... تسمرت في
تم نسخ الرابط