انت لي١٣
المحتويات
وقال
توكلا على الله
وسار أخي وهو يقترب مني... حيث كنت الأقرب إلى الباب. وعندما صار أمامي... مددت يدي إلى ذراعه وقلت
سامر... ثق بي... اعتمد علي... أعدك بأن تغادر البلد سالما بإذن الله... لقد رتبت لكل شيء... النقود تسهل كل صعب...
نظر إلي أخي والهم يعشش على عينيه... نظرة هزتني من الأعماق... فشددت على ذرعه بقوة وقلت
أرجوك... تشجع... وعدني بأنك لن تضيع جهودي عبثا... عدني بأن تلتزم بما أقوله لك... ولا تحاول شيئا آخر... أرجوك عدني
أحس أخي الرجاء الشديد في نبرة صوتي وأخيرا نطق
أعدك... وليد
فابتسمت مشجعا... وشددت على ذراعه أكثر... ثم استخرجت من أحد جيوبي السلاح الذي كنت أخفيه...
قدمته نحو أخي وهو ينظر إلي مندهشا... فقلت
استخدمه إذا اضطررت...
أخذ سامر مسدسه من يدي... وهو يحملق بي غير مصدق... ثم خبأه في أحد جيوبه ثم عانقني عناقا أخويا حميما...
حملنا معنا هاتفي وهاتف سامر والذي كنت قد احتفظت به عندي وقبل المغادرة الټفت إلى رغد... والعم أبي حسام وقلت
أمانتك لحين عودتي...
وأشحت بوجهي قبل أن يحدث منظر رغد في قلبي ثقبا جديدا...
أخيرا دخلنا أحد المباني... المبنى الذي كان يحوي مقصفا للعمال وغرفة استراحة... كان المبنى الأقل تضررا والذي لا يزال سقفه يقف على جدرانه.
المكان كان موحشا جدا... لا يثير في النفس إلا الذعر...
لم تكن هناك أي إنارة عدا بصيص بسيط يتسلل عبر نافذة صغيرة قرب السقف...
سيكون هذا جيدا
قلت ذلك وأنا أنفض الغبار والأتربة عن أريكة مجاورة وأدعو أخي للجلوس فرد
ما هو الجيد
وقد غمره الاستياء والنفور الشديدين من المكان... بقي أخي واقفا ينظر إلى ما حوله بازدراء... جلت ببصري في الغرفة ولم أستطع إقناع نفسي بغير شعور أخي... الازدراء...
قلت مشجعا
لبضع ساعات... تحتمل
وأشرت إليه أن يجلس لكنه لم يفعل...
أخي منذ صغره اعتاد العيش في النعيم. منزلنا الكبير في الجنوب... ومنزلنا الراقي في الشمال... وشقته الفاخرة... أذكر أنه عندما زارني في المزرعة ورأى الغرفة المتواضعة التي كنت أقيم فيها والمنزل البسيط شعر بالنفور والازدراء...
قلت
هذا لا شيء... مقارنة بالزنزانة
وأنا أتذكر الزنزانة الفظيعة التي أضعت بين جدرانها القڈرة ثمان سنوات من عمري...
نظر سامر إلي باستسلام ثم جلس على الأريكة كارها. لو لم يكن لدي ما أنجزه للضرورة القصوى لكنت بقيت برفقته... كيف لي أن أترك أخي في مكان مهجور ومرعب وقذر كهذا
قلت وأنا أستعد للمغادرة
سأنهي ما لدي وأعود إليك...
وأضفت
كن حذرا... ابق عينيك وأذنيك يقظتين و هاتفني إن حصل شيء على الفور
أرسل أخي إلي نظرة قرأت فيها توسلا... بألا أغيب عنه... فرددت على رسالته بنظرة تقول انتظرني...
وهكذا غادرت مصنع أبي المهجور... تاركا في قلبه شقيقي الوحيد... وحيدا...
اتصلت بعد ذلك بالمنزل أطمئن على رغد وأبي حسام وأطمئنها علينا... وتوجهت بعدها لاستلام الوثائق الضرورية التي تلزمنا للسفر... وأنجزت مهاما أخرى...
لن تصدقوا ما اضطررت لفعله من أجل إنقاذ أخي... لم أكن لأتصور نفسي سألجأ إلى هذا... يوما من الأيام...
عدت بعد ذلك إلى المنزل... بمجرد دخولي للداخل وقع بصري على رغد...
كانت تجلس في الممر... على الأرضية الرخامية... مستندة إلى الجدار... ومادة رجليها إلى الأمام... وعكازها مرمي إلى جانبها الأيسر وهاتفها إلى جانبها الأيمن... ووجها مغمور في سحابة داكنة من الهلع والاضطراب... حينما رأتني مدت يدها نحوي ونادتني بلهفة
و... ليد
كان صوتها ضعيفا واهنا... سلبه الخۏف والفزع المقدرة على التماسك... تقدمت نحوها وجلست إلى جانبها... أسندت رأسي إلى الجدار... ومددت رجلي إلى الأمام... مثل وضعها... وأغمضت عيني...
كنت أريد أن ألتقط بعض الأنفاس... أحسست بيدها تتشبث بذراعي... الټفت إليها... وغاصت عيناي في بحر خۏفها...
قلت
قبل بزوغ الفجر...تبدأ رحلتنا يا رغد
رغد تحدثت ببقايا صوتها قائلة
إلى... أين
فأجبت
برا إلى البلدة المجاورة... ثم جوا إلى الخارج... إلى دانة
وشعرت بيدها ترتجف... فقلت
فقط... لنعبر الحدود بسلام... ادعي يا رغد...
أغمضت رغد عينيها وكأنها تلح بدعواتها القلبية... إلى الله... فأعدت رأسي إلى الجدار وأغمضت عيني ولهج قلبي بالدعاء...
بعد قليل تحدثت رغد قائلة
لا أكاد أصدق شيئا يا وليد... لا أستطيع أن أستوعب ما يجري... أهو كابوس.. أرجوك قل لي بأنه كابوس
فتحت عيني... والټفت إليها... ثم قلت
أتمنى لو أنه كان كابوسا يا رغد... ليته كان كابوسا... آه
سألت وهي غير مصدقة
لماذا... سامر!! أنا لا أصدق... إنه لا يمكن أن يفعل شيئا... إنه هادئ ومسالم جدا... ماذا فعل ولماذا
حملقت في رغد... وتأوهت بمرارة... وكان صدري على وشك أن ينفث أدخنة كثيفة من الآهات المټألمة... لا بداية لها ولا نهاية غير أن أبا حسام أقبل نحونا قادما من مجلس الضيوف... ثم سألني
كيف سارت الأمور
فالټفت إليه وأجبته
كما ينبغي حتى الآن... المهم الحدود..
سمعت رغد تقول بقلق
ماذا إن أمسكت بنا الشرطة ماذا سيفعلون بنا
عضضت على أسناني توترا... ونظرت إليها وأنا لا أجد جوابا... إلا أن أقول
لا سمح الله... سنكون في مأزق كبير جدا...
وجوابي زاد من ارتجاف يدها حتى انتقلت خلجاتها إلى ذراعي وهزتني...
تقدم أبو حسام وجلس على عتبات السلم المجاورة لنا... ثم قال
هل يجب أن... تأخذها معكما
فجأة انفلتت أصابع رغد وانفتحت قبضتها عن ذراعي... وما كدت ألتفت إليها حتى انطلقت قائلة بانفعال
طبعا سأذهب معكما
وكأنها تخشى أنني سأقول غير ذلك.
أبو حسام قال
تعرف يا وليد أن في الأمر مخاطرة... أخرجه أولا... ثم عد وخذها أو أفعل ما تشاء
كنت لا أزال أحدق في رغد... والتي ما كاد أبو حسام ينهي جملته حتى هتفت وعينها تكادان تقفزان من محجريها من شدة تحديقها بي
سأذهب معكما
فقلت مطمئنا وأنا أرى الهلع يجتاح وجه الفتاة
لا تقلقي. فأنا لا أفكر في تركك والسفر إلى خارج البلد
وسمعت أبا حسام يقول
ولكن يا وليد... أليس من الآمن لها أن تبقى عند خالتها فقط اضمن خروج سامر بالسلامة واطمئن على نجاته ثم تعال وفكر فيما ستفعله
قلت
لا أستطيع السفر وترك صغيرتي هنا. لن يرتاح لي بال... لا ينقصني هم آخر...
والټفت إلى رغد.. فإذا ببعض الارتياح يمحو آثار الهلع الأخيرة... لكنه كان ارتياحا قصيرا سرعان ما أربكه كما أربكني رنين هاتفي...
حبست أنفاسي ونظرت إلى شاشة الهاتف بهلع... متوقعا أن يكون هذا سامر... أو أحد الأشخاص الذين أتعامل معهم لتهريبه... أو حتى الشرطة... وعندما رأيت اسم المزرعة يظهر على الشاشة أطلقت نفسي المحبوس بقوة...
نعم مرحبا
مرحبا يا وليد يا بني... كيف حالك
لقد كان عمي إلياس. أجبت بعجل دون أن ألقي بالا عليه
بخير
فسألني عن أحوال ابنة عمي وأحوال العمل وحتى أحوال الطقس فرددت مقتضبا
بخير أهناك شيء
وأحس عمي من ردي ونبرتي أن لدي مشكلة. فسألني
ما الأمر يا بني
فأجبت بضيق
آسف. أنا مشغول الآن
فقال
حسنا. هلا اتصلت بي بعدها
فجذبت نفسا ورددت
أنا مشغول جدا يا عم
امتزج القلق بنبرة عمي وهو يسأل
أأنت على ما يرام
فأجبت
أجل ولكن لدي مشاكل حرجة
فقال
إذن... لن تأتي اليوم أيضا
لقد كان يوم الخميس.. وكان يفترض بي السفر للمزرعة لحل مشكلتي مع أروى الأسبوع الماضي وأجلت السفر بسبب سفر أخي المفاجئ واضطراري للبقاء مع رغد... والآن أرجئه إلى أجل غير مسمى بسبب الورطة الحرجة التي نمر بها...
قلت
لا يمكن...
وأضفت
عمي... سأغيب لفترة غير محددة
صمت عمي برهةلا بد وانه تضايق من ردي... في حين أنه ما فتئ يتصل بي ويطلب حضوري من
متابعة القراءة