انت لي١٣
المحتويات
يا رغد... إلى متى ستظلين ترسمين هكذا
فتبدلت تعبيرات وجهها ثم قالت
إلى أن... تظهر الأصول... ولا أحتاج إلى الصور
ثم رمت بالفرشاة والألوان من يدها وسارت مسرعة إلى سريرها وأكبت على وجهها فوق الوسائد وأخذت تبكي...
الټفت إلى دانة... التي كانت تجلس على المقعد أمام المرآة... تتابعنا من خلالها... وهززت رأسي أسفا وحزنا على رغد.
هممت بالاقتراب منها والتحدث إليها غير أن دانة أشارت إلي بألا أفعل... فلذت بالصمت وبقيت أسمع صوت نحيبها المرير... وقامت دانة فاقتربت منها وحاولت تشجيعها ببعض الكلمات... فخرجت من الغرفة ووقفت قرب الباب بين رغبتين متعارضتين في البقاء إلى جوارها والابتعاد عنها.
وبعد قليل رأيت دانة تخرج من غرفة رغد وتغلق الباب من بعدها... وتنظر إلي والحزن يطلي وجهها بلون رمادي معتم.
فسألتها
ماذا قالت
فأجابتني بحزن بليغ
سألتني عن كنت أملك أيضا...صورة لوالديها الحقيقيين... عمي وزوجته... رحمهما الله!
الرجاء متابعة الصفحة ليصلك باقي القصة............
انت لي.......
ولم يكن قد سبق لرغد وأن طلبت شيئا كهذا ولم تكن تبوح بحنينها لوالديها أو تعبر عن أي مشاعر تكنها لهما... منذ كانت طفلة صغيرة... على الأقل هذا ما اعتقده...
أضافت دانة بأسى
لو أننا نعلم أين وليد الآن... إلى متى سنظل نجهل مصيره
أشرت إليها أن تخفض صوتها... لئلا يصل إلى مسامع رغد وصمت لبرهة ثم قلت هامسا وأنا أعقد العزم
سأذهب للبحث عنه بنفسي
عندها تلاشت العتمة الرمادية عن وجه دانة وحل التوهج الأحمر على وجنتيها وقالت
تذهب أنت لا! مستحيل
فقلت
لا بد من ذلك يا دانة
فإذا بها تمسك بذراعي وتهز رأسها اعتراضا وتقول منفعلة
كلا... لن أدعك تذهب يا سامر... الآن لدي أخ واحد موجود هل تريد أن أفقدكما أنتما الاثنين
فقلت
ولكن يا دانة
ولم تدع لي المجال لإتمام الجملة بل أسندت رأسها إلى كتفي وقالت
لا تفكر يا سامر... أنا ما كدت أصدق... أنك معي الآن... ما أحوجنا... أنا ورغد إليك... أنت من تبقى لنا من العائلة... أرجوك لا تفكر في الذهاب
علاقتي بشقيقتي دانة كانت قوية جدا منذ الصغر... كنا صديقين حميمين... وكنت أعتبرها أقرب الناس إلي... وكانت الوحيدة التي أبث لها بهمومي وأشكو إليها مخاۏفي.
والآن... بعد اجتماعنا من جديد عقب كل ذلك الفراق استعادت علاقتنا حرارتها ومتانتها... وأخبرتها بتفاصيل ما حصل معي ومع المنظمة... والشرطة... وبكل ما مر بي منذ ليلة زواجها وحتى الآن... بل وحتى عن العملية التي أجريت لجفني... وعملية الاغتيال الفاشلة التي شاركت فيها... والمؤامرات التي حكناها وكنا على وشك تنفيذها...
وحالة اليأس التي اعترتني لدى فقد أحبتي... ورغبتي في الاڼتقام لمقټل والدي... تفاصيل كثيرة ومريرة... أعارتني لسماعها الأذن الصاغية.. والصدر الرحب.. والقلب الحنون.. كعادتها دوما... ما ضاعف شعوري بالندم والخجل من أفعالي...
مسحت على رأسها مؤازرا... فنظرت إلي ببعض الرضا ثم قالت
كما أنني لا أستطيع تحمل مسؤولية رغد... تعرف أنه لا طاقة لي بمزاجها في الوضع الطبيعي فكيف بها وهي في هذه الحال
شردت قليلا.. وتذكرت شقيقي في يوم فرارنا... وهو يوصيني برغد ويحذرني من الابتعاد عنها مهما حصل... وغزت ابتسامة ساخرة واهية زاوية فمي اليمنى... لاحظتها دانة فسألت
ما الأمر
فأجبت
تذكرت وليد... وهو يوصيني على رغد... كأنه كان يعرف... أنه لن يواصل الطريق معنا
وشردت برهة ثم تابعت
كانت آخر كلماته لي إنها أمانتك أنت الآن ...
وأسندت رأسي إلى الجدار ونظرت للأعلى وخاطبت وليد الغائب في سري
هذه الأمانة... لا تريدني أنا يا وليد... بل تريدك أنت
ثم صفعت برأسي في الجدار بمرارة...
عدت أدراجي إلى غرفة نومي... وما إن دخلتها حتى سمعت صوت هاتفي يرن...أسرعت إليه متمنيا أن يحمل الاتصال خبرا جيدا... كان المتصل هو سيف الحازم... صديق وليد المقرب... يخبرني وللعجب والدهشة... أنه مع وليد الآن... في البلدة المجاورة لبلدتنا... في إحدى المستشفيات...
منذ أن تلقيت اتصاله يوم الجمعة هرعت إلى وليد... أنا مع والدي مسافرين برا إلى المدينة المجاورة. وليد كان معتقلا لدى سلطات البلدة لتورطه بقضية حمل سلاح بدون ترخيص. لم نحصل منه على تفاصيل عبر الهاتف ولدى وصولنا فوجئنا بمن يبلغنا بأنه قد نقل تحت الحراسة إلى إحدى المستشفيات نتيجة تدهور وضعه الصحي المفاجئ...
مفاجآت وليد هذه لا تنتهي ولم تكن لتخطر لأحد على بال...
تولى والديوهو محام كبير كما تعرفون أمر القضية وحصلنا على إذن رسمي بزيارته داخل المستشفى يوم الاثنين. قابلنا الأطباء وسألناهم عن وضعه قبل زيارته فأخبرونا بأنه كان لديه ڼزيف حاد في معدته وتمزق في جدارها والتهاب شديد في أنسجة البطن... وأنهم اضطروا لإدخاله إلى غرفة العمليات وإجراء عملية عاجلة له... وإعطائه كمية كبيرة من الډماء...
تعلمون أن وليد يشكو منذ زمن من قرحة في المعدة ويظهر أنها اشتدت وتمزقت وڼزفت بغزارة...
هذا تفسير معقول...
لكن الغير معقول والغير مصدق... هو ما قالوه أيضا... أنهم وجدوا علامات على جسده تشير إلى أنه تعرض للضړب أو الټعذيب الشديد قبل ساعات من فحصه...
أما الأشد غرابة فهي ورطة السلاح... وهذا السفر المفاجئ لوليد... والغموض الشديد الذي يغلف القضية...
دخلنا غرفة وليد يسبقنا فضولنا للاطمئنان عليه ومعرفة التفاصيل... لكن ما إن وقعت أعيينا عليه حتى أطبقت على فمي كي لا أطلق شهقة قوية تثير بلبلة من حولي... وحملقت فيه مذهولا... وكذلك فعل والدي.
اقتربنا من سريره بخطى مترددة... إذ أننا لم نتيقن من كون هذا المړيض هو بالفعل وليد... وأن القضية كلها ليست تشابه أسماء أو سوء فهم...
رباه... أحقا هذا وليد
اللهم نسألك اللطف والرحمة...
كان مغمض العينين ربما نائم... ربما فاقد الوعي... أو ربما أسوأ من ذلك. جسمه ملفوف بالضماد في عدة مواضع والعديد من الأجهزة موصلة به. جهاز يراقب نبض القلب جهاز يكشف مستوى الأوكسجين جهاز يقيس ضغط الډم... وقارورة ډم معلقة قربه... تقطر دما متدفقا عبر الأنابيب إلى وريده... كان يبدو مزريا... وكانت هناك ممرضة قابعة بجواره تراقب شاشات الأجهزة وأخرى تقف في الجانب الآخر وتعمل على تنظيف ما ظهر لنا أنه چرح في البطن. الغرفة تعبق برائحة الأدوية والمطهرات... ويدوي فيها طنين الأجهزة كأنه صفارة إنذار بالخطړ...
اهتز قلبنا لدى مشاهدة المنظر وتبادلنا نظرات الاستغراب والأسف.
عندما نزعت الممرضة الضمادات عن الچرح رأينا حركة تصدر من الجسم الممدد على السرير تحت اسم صديقي وليد... قفزت أعيننا نحو عينيه ولكنه لم يفتحهما... بل حرك يده على السرير وكأنه يعتصر ألما...
قالت الممرضة
اصبر قليلا
ثم نظرت الممرضة الأخرى إلى ساعة يدها وقالت
إنه موعد المسكن على أية حال
وحقنت دواء ما عبر أنبوب المصل المغروس في ذراع وليد. أثناء جريان الدواء إلى وريد وليد كانت تعبيرات الألم ترسم على وجهه تجاعيد عابسة حزينة... اقترنت بانقباض يده واعتصار عينيه... على إثر هذا لم أتمالك نفسي وأقبلت نحوه بهلع وهتفت
وليد... وليد...
رأيت وليد يفتح عينيه... ثم يحاول تحريك رأسه ببطء يمينا ويسارا يفتش عن مصدر الصوت... فمددت يدي إلى يده وشددت عليها وقلت
وليد... صديقي... أنا هنا... سيف
الټفت وليد إلي وبدا أنه غير مصدق أو مشوش الرؤية... وأحسست بأصابعه تحاول أن تشد علي.. إلا أنها سرعان ما ارتخت وسرعان ما أسدلت عينيه الجفون وغطت الرؤية. وعندما ناديته بعدها لم يجبني.
وسمعت الممرضة تقول
أعطيته للتو الدواء
متابعة القراءة