انت لي١٣
المحتويات
بعد الحدود ومن هناك تابعا طريقكما إلى المدينة في سيارة أجرة إذ أننا سنحتجز سيارتكم عندنا لحين انتهاء التحقيق وإجراء اللازم
الټفت سامر إلي... وكان وجهه مكفهرا محتقنا بالډماء... ولم يقل شيئا... أما أنا فقلت وأنا أحرك رأسي اعتراضا وټهديدا
أنا لن أبرح مكاني حتى يعود وليد
فهم سامر قصدي وخاطب رجل الأمن سائلا
أين شقيقي الآن أريد أن أراه
فأشار الرجل بيده إلى المبنى الذي اختفى وليد خلف جدرانه فقال سامر
خذني إليه من فضلك أولا...
فقال الرجل
لا بأس تفضل
عندها مددت يدي وأمسكت بمعطف سامر... أذكره بأنني هنا...
الټفت سامر إلي ثم إلى الرجل وسأله
هل لديكم كرسي متحرك الفتاة لا تستطيع المشي
فرد الرجل
لا للأسف
وعندما نظر سامر إلي أعدت أقول
أنا لن أتحرك من مكاني قبل مجيء وليد
فقال
دعيني أراه أولا وأعرف ما أفعل..
واستخرج هاتفه من جيبه واتصل بوليد...فسمعنا صوت رنين هاتف على مقربة وعندما التفتنا إلى الصوت رأينا وليد يظهر وبرفقته شرطي يسيران متقدمين إلينا...
وقفت من شدة هلعي على رجلي... وكنت أرتدي خفا منزليا على قدمي اليمنى بينما الأخرى مجبرة... وأحسست بحرارة الأرض تتخلل خفي وتلهب قدمي حينما صار وليد أمامنا راح ينقل بصره بيننا ثم قال
اذهبا مع رجال الأمن. سيوصلونكما إلى أطراف المدينة. وبعد ذلك استغلا أي سيارة أجرة واتجها إلى المطار. التذاكر وكل ما تحتاجانه في حقيبتي اليدوية
فقلنا معا
وأنت
فقال بصوت خاڤت لا يتعدى بعدنا
سأسوى المسألة هنا وألحق بكما
أنا قلت مندفعة
لن نذهب لأي مكان من دونك
فأومأ لي وليد بنظرة من عينيه ثم قال
لا وقت لنضيعه في الكلام. الطائرة ستقلع بعد ساعتين. يجب أن تدركاها وترحلا بسلام
ثم أخفت صوته وقال
أي تأخير سيبقيه في دائرة الخطړ... عجلا
هتفت
ولكن
فقاطعني زاجرا
بدون لكن... أتفهمين
وحدق بي لثوان... بنظرة زاجرة حادة...
ثم الټفت إلى سامر وقال
انتبها لنفسيكما جيدا...
ونطق سامر بنبرة حزينة توشك على البكاء
أخي...
فرفع وليد يديه وحط بهما على كتفي سامر... كأنه يستند عليه لا يسانده... ثم تنهد تنهيدة ألم مريرة... ربما لأن ذراعه شبه مخلوعة جريحة... أو ربما لشدة صعوبة المأزق الذي كنا فيه... قطب حاجبيه ثم أرخاهما وقال
اهتم برغد... إنها أمانتك أنت الآن...
ثم نقل بصره فيما بيننا وقال أخيرا
في أمان الله
لا أذكر... تفاصيل ما حدث بعد ذلك... لا أذكر... إلا وأنا في سيارة... أنظر عبر زجاج النافذة... ووليد في الخارج... يقف بين رجال الأمن... يلوح إلي... والسيارة تبتعد... وتبتعد... وتبتعد... ويتلاشى وليد... كما يتلاشى السراب...
فجأة... بين عشية وضحاها... بل بين لحظة واللحظة التي تليها... تحولت حياتي إلى شيء خال من وليد!
يختفي من حياتي فيما أنا أراقبه... وهو يبتعد... دون أن أملك القدرة على فعل شيء...
ابتعدت السيارة كثيرا... وعيني لا تزال تحدق عبر النافذة... تفتش عنه!...
وصورته الأخيرة... هو يلوح لي بيده... مودعا... هي الصورة الأكثر إيلاما... التي اختزنتها محفورة في ذاكرتي... كأقسى لقطة وداع فرقتني عن وليد قلبي... من بين كل لحظات الفراق الأخرى في حياتي... على الإطلاق...
أصابتني حالة ذهول... فقدت القدرة على الكلام... القدرة على التفكير... القدرة على التصرف... وانقدت لما كان سامر يطلبه مني دون أن اعرف ما هو...
لم أستفق من حالة التيه... إلا عندما وجدت نفسي أهبط من الطائرة إلى مطار الوصول... وأفتش عن وليد بين المسافرين...
رأيت كل الناس... كل الأجناس... من كل العالم... كل البشر الذين خلقهم الله... كلهم من حولي... إلا وليد!
لم أر منه إلا لقطة أخيرة... وهو يلوح لي مودعا... وعيناي تشيعانه... عبر زجاج النافذة...
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصرخ في المطار كالمچنونة
أعيدوني إلى وليد
اللقاء بدانة كان حميما وملتهبا جدا... امتزجت فيه دموع الشوق بدموع الذكريات الأليمة... بدموع القلق... لكن أكثر الدموع طغيانا كانت تلك التي فجرتها رغد حزنا وخوفا على وليد. سقتني كؤوس القلق والندم جرعة على مدى الفترة المفجعة التي تلت وصولنا إلى هذه البلد. فقدنا الاتصال بوليد... حتى أننا لم نطمئنه إلى أننا وصلنا بسلام... وما فتئنا نحاول الاتصال به بكل الأرقام وفي كل الأماكن الممكنة دون جدوى. لم نعرف إن كان لا يزال في البلدة المجاورة لبلدتنا أم أنهم قد رحلوه إلى بلدنا... أم إلى مكان آخر...
وإن كان في قبضة الشرطة أم أنهم قد أخلو سبيله... اتصلنا حتى بالمنزل والمزرعة والمصنع.. بلا جدوى.. وتولى عمي أبو حسام مهمة تقصي أخباره في البلد واستخدم كل الطرق دون نتيجة حتى الآن.
أخشى ما كنا نخشاه... هو أن تكون السلطات قد زجت به في السچن أو فعلت به شيئا... وأنا لن أسامح نفسي أبد على ما قد يكون شقيقي قد تعرض إليه بسببي.
وليد قدم من أجلي تضحية كبيرة... ضحى بنفسه من أجل إنقاذي وفضلني على نفسه... وتحمل وزري نيابة عني...
أنا أيضا... مستعد الآن لأن أضحي بكل شيء... من أجل ظهوره وعودته إلينا سالما.
أقمنا في منزل دانة وعائلتها. وهو منزل كبير مؤلف من عدة أجنحة كان يسكنه أمير أو ما شابه قبل أن يشتريه نوار... زوج دانة... لاعب الكرة الشهير... والمليونير...
ولأنني عدمت خيارا آخر فقد اضطررت للمبيت هنا مؤقتا لحين مجيء أخي أو إيجاد حل بديل.
نوار وعائلته رحبوا بنا وخصصوا لنا غرفتي نوم في أحد الأجنحة وضيفونا بسخاء. واعتمدت على النقود التي تركها وليد في حقيبته لشراء الضروريات.
آه أجل...
لا بد وأنكم تتساءلون عن رغد... وما حل بها بعد وليد...أول ليلة قضتها في هذا المكان كانت أفظع من الوصف. كانت في حالة ذعر متواصل واضطرت دانة للمبيت إلى جانبها في الغرفة. كانت تصف لنا كيف هاجم رجال المباحث وليد وأوشكوا على قټله... وكانت تعتقد بأنه الآن في قبضتهم وأنهم سيقتلونه... كانت ستموت بهذا الاعتقاد... واضطررت لاحقا لأن أتفق مع عمي أبي حسام على أن يخبرها بأن وليد بخير ولا يزال محبوسا تحت التحقيق وأنه سيلحق بنا فور خروجه. ارتابت في كلام أبي حسام أولا ولكنها صدقته في النهاية حتى ولو من باب التعلق ببصيص الأمل...
صرنا لا نجرؤ على ذكر اسمه على مسمعها... خشية أن تفلت الحقيقة من ألسننا سهوا... وتعود للهستريا المړضية تلك... وبقينا نتظاهر بالاطمئنان والتفاؤل فيما أفئدتنا يمزقها القلق... والبحث ولاتصالات جارية... ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم...
انظر سامر... هل هكذا زاوية أنفه.. ألا تبدو أقل حدة
تسألني وهي واقفة أمام لوحة جديدة ترسمها لوليد... وهو يلوح بيده... وتقارنها بصورته...
كانت الساعة التاسعة ليلا... هكذا قضت ساعات الأمس واليوم... تكرر رسم وجوه أمي وأبي ووليد... من الصور الفوتوغرافية التي كانت بحوزة دانة... الصور التي تم التقاطها لنا ليلة زواجها... وأخرى التقطت لوالدي الراحلين... عندما ذهب العريسان لزيارتهما قبل هجرتهما إلى هذه البلدة...
أجبت
ألم تتعبي من الوقوف أريحي رجليك قليلا... لا تزالين في فترة النقاهة
وقد نزعت جبيرة رجلها اليسرى مؤخرا فقالت وهي محملقة في اللوحة
رجلاي اعتادتا الكسل طيلة الشهور الماضية. آن الأوان لتنشيطها
وأخذت تتأمل اللوحة ثم قالت
لا...! لم أتقن رسم الأنف...
وإذا بها تزيل اللوحة التي قضت ساعات في رسمها وتضعها جانبا... وتضع لوحة بيضاء جديدة استعداد للرسم من جديد...
نزعت اللوحة من العمود ووضعتها جانبا... ونظرت إلى رغد بحزم... فنظرت إلي وهي تعبس بانزعاج...
قلت لها
يكفي
متابعة القراءة